الذكاء الاصطناعي وفهم العالم.. تعلم الآلة العميق أم الجماليات المفقودة في اللغة؟

٣ اشهر مضت ١٠٦
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

يسعى الباحثون في مجال الذكاء الاصطناعي لإنتاج آلة ذكية قادرة على الإبداع وصناعة الفن وكتابة الأدب، ورغم تحقق بعض أحلامهم بتمكن آلات من كتابة نصوص قصيرة عبر تطور تقنيات التعلم الذاتي، فإن الشك ما زال يعتري الكثيرين في قدرة الآلات -مهما كان ذكاؤها- على إنتاج موسيقى حقيقية أو كتابة نصوص أدبية بديعة.

في تقريره الذي نشرته مجلة لوبوان الفرنسية، ينقل الكاتب غيوم غراليت توضيحات رائد الأعمال المولع بالفلسفة، توماس سوليناك عن تحفظه من "التعلم العميق"، وهي تقنية تعلم تحظى بشعبية كبيرة في الوقت الحالي وتعتمد على الكثير من البيانات. وقد لقيت هذه التقنية رواجا بفضل الفرنسي يان لو كان والكنديين يوشوا بينجيو وجيوفري هينتون على مدى السنوات الأربعين الماضية.

التعلم العميق

وترتكز هذه التقنية على تطوير شبكات عصبية صناعية تحاكي في طريقة عملها أسلوب الدماغ البشري، أي أنها قادرة على التجريب والتعلم وتطوير نفسها ذاتيا دون تدخل الإنسان، وأثبتت تقنية "التعلم العميق" قدرتها على التعرف على الصور وفهم الكلام والترجمة من لغة إلى أخرى.

ويوضح يان لو كون، الباحث في جامعة نيويورك، لمجلة لوبوان الفرنسية أن الأمر يتعلق "ببنى الشبكات العصبية الاصطناعية التي تتعلم تمثيل البيانات على أساس هرمي. كما تتعلم الآلات تمثيل العالم بمستويات تجريد متعددة".

وللقيام بذلك، تستهلك هذه الآلات، بسرعة ودون استيعاب، كمية كبيرة من البيانات التي تفرزها خوارزميات التحليل التمييزي، ويعتمد التعلم العميق، الذي يعد أحيانا مثيرا للاهتمام ومملا في أحيان أخرى، على عدد كبير من الأمثلة التي ينبغي تحديد خصائصها يدويا، والتي يمكن أن تكون متكررة، وبالتالي طويلة جدا".

مع ذلك، لا توجد طريقة واحدة لتعليم الآلات المعرفة، كما يوضح توماس سوليناك، الذي عاد إلى الجدل الذي حدث عام 1975 بين عالم النفس والفيلسوف السويسري جان بياجيه والمفكر الأميركي ناعوم تشومسكي حول تعلم اللغة.

بالنسبة للمختص في نظرية المعرفة بياجيه، فإن الفطرة الأولية المشتركة للغة غير موجودة، بينما يرى المختص في اللسانيات الأميركي تشومسكي أن هناك عددا كبيرا من الهياكل المعرفية المشتركة بين جميع الأفراد.

ويفسر سوليناك أن "النهج الأول يميز التعلم العميق الذي يعتبر أن الآلة قادرة على تعلم كل شيء من نقطة الصفر عن طريق ‘استهلاك’ عدد كبير من المعلومات والبيانات بسرعة ودون استيعاب، بينما يعتمد النهج الثاني على رؤية للعالم تقوم على جودة التعلم أكثر من كمه".

وفي ميدان تخصصه العلمي، يوصف تشومسكي بأنه "أب اللسانيات الحديث" وصاحب نظرية "النحو التوليدي" التي تعد أهم إسهام في مجال النظريات اللغوية في القرن الـ٢٠. ومنذ التحاقه بالمعهد قام مرات بتعديل نظريته اللسانية لكن مع الحفاظ على مسلماتها الأساسية. كما يعتبر منشئ نظرية "تسلسل تشومسكي" الخاصة بالتحليل اللغوي.

فهم العالم

أشار الكاتب إلى أن النهج الثاني، الذي يستلهمه توماس سوليناك، يسمح للآلات بفهم العالم بشكل أكثر نموذجية.

في هذا السياق، قال سوليناك "لنأخذ على سبيل المثال شركة تستخدم الذكاء الاصطناعي للرد بسرعة على رسائل البريد الإلكتروني. عندما تتغير البيئة بشكل جذري، كما كان الحال مع ظهور الجائحة، يسمح النهج الثاني للبرامج بأن تكون أكثر تفاعلية". ويقترح رائد الأعمال تقنية لا تتطلب التدريب، وتعرف بالفعل عمل اللغة البشرية بطريقة فطرية.

يوضح توماس سوليناك، أن هذا الأمر "يسمح، على سبيل المثال، برفع اللبس وتمييز كلمة أورانج (Orange)، التي تعني اللون البرتقالي وفاكهة البرتقال، وهو ما يعني أن الآلة قد تصبح قادرة على الفهم نوعا ما".

الثقافة ونحت المصطلحات

ومع ذلك لا تستطيع الآلات صياغة مصطلحات جديدة تعبر عن مفاهيم وعمليات جديدة لم تكن موجودة من قبل، إذ يستخدم الفلاسفة والأدباء وحتى التقنيون طرقا إبداعية مختلفة للاشتقاق وتوليد الكلمات التي يحتاجونها للتعبير عن أفكار أو تقنيات جديدة. وفي المقابل تفتقد الآلات لهذا النهج الإبداعي الذي يتطلب قدرات تحليلية عالية حتى بالنسبة للمفاهيم التقنية.

ولا يمكن للآلات أن تنقل جمالية النص والروح في الأعمال الأدبية العظيمة، إذ تعد البراعة التعبيرية للأدباء ميزة خاصة يتمتع بها الأدباء الذين يقدرون على ابتكار استعارات جميلة لاستحضار مشاعر قوية، وكثيرا ما تكون نتيجة عمل إبداعي شاق. وحتى لو كانت الآلات قادرة على أن تحل محل المترجمين في مجالات معينة، فإن الترجمة الأدبية ستظل امتيازا حصريا للمترجمين البارعين دون غيرهم، وفي المقابل يمكن أن تحل الآلات فعليا محل "المترجمين" الذين يترجمون بطريقة "آلية" وغير إبداعية.

وإذ تفتقد الآلات لفهم الثقافات المختلفة حول العالم، فإنها تفشل كثيرا في إدراك التعقيدات الكامنة خلف التعبيرات الثقافية الخاصة ولا تستطيع نقلها إلى ما يكافئها في اللغة المستهدفة. ويلعب السياق دورا مربكا بالنسبة للآلات، بينما يخدم المترجمين البشر ويساعدهم في إتقان نقل المعنى.

المصدر

:

الجزيرة + الصحافة الفرنسية

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية