سارة خليف تكتب: التحرش بين القانون والمبررات

٣ اشهر مضت ١١٢
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

الثلاثاء 07/يوليه/2020 - 10:57 ص

سارة خليف

سارة خليف

تقوم الحياة على نظام يتفق عليه الأفراد في المجتمع أساسه سلوكيّات اجتماعية مشتركة، يسمى النظام العام، ويعرف بأنه مجموعة القواعد القانونية السائدة في الدولة، غير إن حماية النظام العام لا تقتضي حماية المصلحة العامة فقط، بل تتعداها إلى الخاصة منها، إذ إن مصلحة المجتمع تقتضي كفالة الحقوق الأساسية لأفراده حتى تتاح لهم المساهمة في نشاط المجتمع، ومن ثم كان تأمين هذه الحقوق حقًا للمجتمع.

فتأمين الحقوق الأساسية للأفراد هو تأمين لحياتهم الخاصة وفقًا للنظام العام، وتندرج تحت هذا النطاق حماية الأعراض، مما يجعل وظيفة التشريعات القانونية هو تجريم السلوكيات المخلة بتنظيم الخصوصية الفردية، منها ما هو مخصص لحماية العرض خاصة، ومنها ما هو مخصص لحماية مصالح أخرى ليست من العرض، لكن القاسم المشترك بينها وبين الأولى؛ أنها ممارسات متعلقة بالجنس بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن هنا جاء القانون ليحمي العرض بشكل مباشر فيما يختص بالسلوكيات التي تقع على الجسد مباشرة، كالزنا والاغتصاب، ويحدد بعض القوانين التي تحمي العرض بشكل غير مباشر، قد لا تمس جسم المجني عليه ولكن في باطنها أفعال ذات طابع جنسي مثل التحرش، مما يدفعنا لطرح أسئلة جوهرية مثل: هل رضا القاصر والمجنون يعفى من الجرم؟ وهل أصبحت دائرة القانون أضيق من دائرة الدين والأخلاق؟

حماية العرض هي حماية الخصوصية الفردية من الأعتداء عليها، أو الخروج عن الحدود الموضوعة لها، فقد لا يكون في التحرش الجنسي اعتداء واضح على الخصوصية الفردية، لأن أوضح صور الإعتداء على الخصوصية الفردية هي أن يُكره شخص شخص آخر على سلوك جنسي لا يريده، ويتم توصيف الفعل بـ(الاعتداء) بداية من عدم الرضا، وليس بالضرورة أن يشمل الإعتداء إستخدام العنف أو التهديد.

إن الاهتمام القانوني بالتحرش الجنسي حديث العهد مقارنة بباقي الجرائم الأخرى، إلا أنها كظاهرة اجتماعية لها ماض طويل ورصد قصير، حتى أن هذا النوع من القضايا لم يتم تداوله إلا قريبا، وقد تم تجريم التحرش لأول مرة في تاريخ مصر الحديث في يونيو 2014، إلا إنه من الناحية القانونية، هذه الجريمة لا تزال غامضة وغير مفهومة حتى عند كثير من المثقفين، ونجد الكثيرين يخلطون بين ماهو هتك للعرض كالإغتصاب وبين التحرش، ليس فقط ذلك بل أن تعريف التحرش مختلف عليه من مكان لآخر، فضلا عن الموروث الثقافي السائد والأسهل في تحويل الضحية لجاني، ووضع المبررات لحماية الجاني وتجنيبه العقاب، وبالرغم من أن المتحرش قد تكون ضحيته امرأة أو طفل وقد تكون مرأة مسنة أحيانًا، لا سيما أن أشهرهم المرأة العاملة التي دائمًا ما تتعرض للتحرش والاستغلال الجنسي، أو ما بات يطلق عليه (التحرش المهني)، إلا أن التحرش الجنسي فى تلك الحالة جريمة يصعب إثباتها، كونه جرم غير مشهود.

وبالرغم من تجريم التحرش الجنسي، إلا أن الحصيلة تظل هزيلة، ولم تفلح الإجراءات القانونية في منع المتحرشين عن ملاحقة النساء، وبالتالي لم يتم القضاء على الظاهرة، وبالرغم من كل الدراسات التي ما زالت تتم على سيكولوجيات المتحرشين وأنواعهم، إلا أن الظاهرة ما زالت تحتاج العديد من الدراسات خاصة في ظل الموروثات الثقافية والتحورات السلوكية السريعة، بل والأسوأ من هذا هو التبرير للتحرش تحت أي بند، غالبًا ما نجدهم هم أنفسهم متحرشين يدافعون عن صورة المتحرش بكل الطرق كي لا تظهر بشكل سيئ، محاولين توصيل رسالة للمجتمع، وهي أن الضحية هي من أتت على نفسها بالتحرش، وأنها تستحق هذا كرد فعل على ما فعلت! وكأن المتحرش يصر على التباهي بفعلته، طالما يصعب على الضحية أغلب الأحيان إثبات التحرش، ولهذ تتفشى الظاهرة يومًا بعد يوم، وتتعمق وتستفحل لتهدد أمن وسلامة الناس، لذا لا بد من وضع حلول مجتمعية حقيقية وسريعة، تكون ذات صوت عال ومردود سريع، ولكن قبل أن نتطرق لبعض الحلول لهذة الظاهرة.

أولًا: لا بد أن يقبل ويصدق ويؤمن المجتمع بأن التحرش بكافة أنواعه لا مبرر له، وأنه انتهاك للخصوصية الفردية ويعتبر شيئا مهينا، وأن الشخص المتحرش شخص لا بد أن يكون منبوذ مجتمعيًا.

ثانيًا: تشكيل جبهة ممثلة فى منصة إلكترونية تتبع جميع الجهات والوزارات الداعمة للمرأة، تستطيع من خلالها المرأة، أو أيًا كان المتحرش به، أو المسئول عن المتحرش إن كان قاصرًا، بالتبليغ إذا عجزوا عن التبليغ في أقسام الشرطة، ويكون من مهام هذه المنصة وضع قائمة للمتحرشين، فإذا تم تكرار اسم المتحرش تحت ضوابط معينة يتم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وكذلك وضع بعض الثقة في المتحرش بهم من خلال الدعم النفسى، حتى تكون هناك نماذج بعينها تساعد المجني عليه ليتحول إلى فاعل يستطيع أن يحارب من أجل حقوقه. بالإضافة إلى حتمية تكثيف الشرطة النسائية فى الأقسام، حتى لا يتم الضغط على الضحايا بالتنازل والتراجع عن الإبلاغ، أو تشعر الضحية بالحرج بسبب كون المحقق رجلًا.

  1. الاخبار
  2. لايف ستايل