القوة الناعمة

٥ ايام مضت ٢٥

نص ساعة فقط لا غير، هي مدة الحلقة 28 من مسلسل "الاختيار"، في النص ساعة دي شفنا درس تطبيقي وعملي لـ مفهوم "القوة الناعمة" اللي صكه السياسي الأمريكي جوزيف ناي، واللي بدأ في الانتشار من بعد 2004، لما أصدر الكتاب اللي كان المصطلح دا عنوانه.
اللي هو إحنا شفنا في نص ساعة، تأثير تفوق بـ وضوح على شغل سنين طويلة من الإعلام المضاد، إعلام مكثف متكلف ملايين الملايين من الدولارات بـ أشكال مختلفة: مقروء ومرئي ومسموع، مباشر وغير مباشر، كل دا راح في نص ساعة من الفن الخالص، وما بقالوش وجود على الأرض.
ربما تكون الحلقة دي واحد من أهم من أنتجته التلفزيونات العربية عبر تاريخها، إن لم تكن الأهم على الإطلاق، وأعتقد إننا مش محتاجين نتكلم كتير عن دورها في خدمة القضية، وجعل الجماهير العريضة تتبناها، وحالة الإحباط اللي تكونت عند خصوم القضية دي، نتيجة عدم قدرتهم على الرد، أو عدم صمودهم قدام طوفان التعاطف الجماهيري معاها. إنما أعتقد إننا محتاجين نتكلم شوية عن صناعتها.
ممكن حد يظن إنه اللي حصل دا هو نتيجة طبيعية لـ عدالة القضية نفسها، إنما تقديري الشخصي إنه دا مش صحيح، أكم من قضايا عادلة في هذا العالم المجنون، مش بـ تلاقي من يقدمها بـ صورة، تخلي الناس تشوفها وتتبناها بـ الطريقة دي، في حين ناس كتير قدرت تسيد وجهة نظرها لـ إنها عرضتها بـ صورة مقنعة.
اليهود مثلا، نجحوا من خلال أعمال كتيرة إنهم يقنعوا العالم بـ قضاياهم، العادل منها وغير العادل، ويتقدموا لـ العالم بـ اعتبارهم مظاليم دائما وأبدا، سواء وهم المعتدى عليهم في أوروبا، أو وهم المعتدين في الشرق الأوسط، ويخلطوا الأوراق، ويخلوا العالم يبص لهم بـ اعتبارهم المجني عليهم دايما، حتى وهم قوات احتلال، أو مرتكبي مجازر.
بـ التالي، لو إنه مسلسل الاختيار معمول كليشنكان، مفيش مخرج محترف، تصوير عالي، مونتاج دقيق وحساس، تمثيل متقن، إنتاج فني لو مفيش الحاجات دي كان ممكن يمر مرور الكرام، ويبقى زيه زي عشرات الأعمال اللي محدش بـ يشوفها، أو ذات التأثير المحدود، إنما الفن يا جماعة، الفن هو الموضوع.
هـ أديك مثال بسيط، بـ تجسيد لحظة استشهاد البطل، اللي هو كان ممكن يتعمل بـ صورة كلاسيكية ميلودرامية فاقعة فجة، وسلوموشن بقى وغيرها من الطرق المعتادة، ودي حاجات بـ تقلل التأثير كتير، شوف المخرج إزاي نفذ المشهد بـ ما يخدم الصورة اللي إنت عايز تقدمها لـ البطل، بـ اعتباره شخص غير عادي، قدم حياته مقبلا غير مدبر، واقف على رجله، جات له الضربة من الخلف كـ عادة الجبناء، وهو قضى نحبه، وسلاحه فـ إيده.
الواقع إنه الحلقة 28 ما كانش ممكن تعمل التأثير دا من غير التمهيد ليها بـ الحلقات اللي قبلها، ومهما تكن ملاحظاتك على العمل، فـ هو من أول لحظة كان جاذب، مثير لـ القضايا، كاسب تعاطف الجمهور، واحدة واحدة وصولا لـ لحظة الذروة.
بـ اختصار يا جماعة، الفن لازم ياخد فرصته عن اللي حاصل شوية، كل الفن، مش بس الفن الموجه بـ شكل مباشر، أي فن بـ يضيف لك، أي فن حتى لو متقدم لـ الترفيه هو سلاح مهم، وقت ما تحتاجه هـ تلاقيه، المطلوب إنك تهتم بيه، وأي عنصر تحاول تخلق له بيئة ينمو فيها، لازم نعيد النظر، بـ حيث يبقى فيه إنتاج أكبر، وفن أكتر، لـ إن الفن دا هو اللي حيلتنا، وأديك بـ نفسك شفت التأثير.


  1. الاخبار
  2. اخبار مصر