ملك الأغنية الشعبية يروي «2»: قصة الحادث الذى كاد ينهى حياتى

٢ ايام مضت ٢٠
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

التحرير والنشر لموقع اخبار الاولى بعد التأكد من صحة الخبر ونشره على صفحتنا الرسمية

تحرير : القاهره - اخبار الاولى akhbar1.com

الأحد 02/أغسطس/2020 - 08:18 م

محمد رشدي

محمد رشدي

كنت أجلس بجوار نادية فهمى، وتبادلت معها المقعد بناءً على طلبها قبل الحادث بدقائق.. كانت رحمها الله تشبه أسمهان فى صوتها، ولها أغنيات منها: «أكتر من روحى» تلحين محمد الموجى، و«آه يا سلام على الهوا» تلحين محمود الشريف.. نقلونى إلى المستشفى العسكرى فى السويس، ومن شدة الألم طلبت من جندى أن يُنهى حياتى.. لم يغادرنى مشهد تبادل المقاعد بينى وبين نادية، كأننا فعلنا ذلك من أجل أن أعيش وتموت هى.
هامش
بدأت الكارثة عندما ركب محمد رشدى والمطربة نادية فهمى «مواليد ١٩٣١» والراقصة سلوى المسيرى وحسن وحسان، وهما ثنائى فكاهى كانا من أنجح الثنائيات الكوميدية، ومعهم أعضاء الفرقة الموسيقية التى تصاحب كلًا منهم فى العمل، ركبوا جميعًا أتوبيسًا خاصًا لينقلهم إلى فايد بالقرب من السويس حيث أحيوا حفلًا ساهرًا.. غنَّى محمد رشدى أغانيه ومنها أغنية «قولوا لمأذون البلد».. وغنّت نادية فهمى أغانيها الحالمة بصوتها الحنون، ومن هذه الأغانى أغنية «أبوس النار ماتحرقنيش».. وقدم الآخرون خير ما عندهم من فقرات غنائية وفكاهية، وانتهى الحفل فى ساعة متأخرة من الليل، وكانت المطربة نادية فهمى أكثر أعضاء هذه الفرقة احتجاجًا على هذا التأخير.
هذا الحادث البشع كان هو قوة التغيير الهائلة فى حياتى، نقطة التحول إلى محمد رشدى الحقيقى.. محمد رشدى اللى كان فيه شىء مؤجل ومنتظر اللحظة المناسبة.. محمد رشدى اللى عاش فى قلق ليجد نفسه.. وقفت مع نفسى وقفة شديدة وأنا على فراش المرض، سألت نفسى: أنا كنت أقرب إلى الموت، إيه اللى عملته فى حياتى يخلى الناس تفتكرنى؟ هل أنا كذاب أم صادق.. هل وهل وهل؟.
قلت لزوجتى: أنا معى سبعة جنيهات ونصف الجنيه، وخدى ساعتى ودبلتى، وهو ده كل ما أملكه فى الدنيا، أنا لن أنفع فنانًا مرة تانية، وجهى يحتاج إلى عملية تجميل، وعندى شعور بأنى لن أقف على قدمى من تانى.. يا بنت الحلال أنا مش ممكن ألزمك بحياتى الصعبة دى، فكّرى كويس فى كلامى.. ردت: «أنا معك لآخر العمر، ومهما كانت الظروف.. وبالفعل عاشت معى على الحلوة والمُرة».
وصلتُ إلى تدخين ١٠٠ سيجارة فى اليوم، كان الهمّ والإحباط بيخنقونى، وكانت السيجارة تسليتى الوحيدة.
تلقيت من المشير عبدالحكيم عامر، وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، ٥٠٠ جنيه، وتلقيت من إبراهيم نوار، رئيس تحرير جريدة «الجمهورية» ٥٠٠ جنيه، وقررت الفرقة الماسية بقيادة أحمد فؤاد حسن التبرع لى شهريًّا بمائة جنيه حتى الشفاء الكامل، ولأن الجرح كان عميقًا فى وجهى، فقد بحثت عن طبيب تجميل، وقرأت فى الصحف أن طبيبًا مصريًّا للتجميل اسمه جمال بحيرى ذاع صيته فى العالم، اتصلت به، وأجرى العملية ونجحت.. استغرق الأمر شهورًا طويلة زادت على عامين.
كنت أقضى وقتى فى البيت تحاصرنى الأسئلة.. كان هناك حوار دائم بينى وبين نفسى، حوار قرّبنى من حاجات كنت أجهلها.. قرأت كما لم أقرأ من قبل.. تابعت الشأن العام بعين مختلفة.. ثقّفت نفسى بنفسى.. أعدت تقييم تجربتى كلها من طفولتى فى دسوق حتى حضورى للقاهرة.. اقتربت أكثر من الله، سألت نفسى: من أنا؟ ماذا أريد من الغناء؟ هل أنا مقتنع بما أغنى؟ أين أنا بالمقارنة مع غيرى؟
واجهت نفسى بكل هذه الأسئلة وكانت إجابتى عنها أننى كذاب.. نعم كذاب.. كذاب لأننى أغنّى وغير مقتنع بما أغنّيه لا بالكلام ولا باللحن، وبهذه الطريقة لم يصدقنى أحد، كذاب لأنى كنت أقضى وقتى فى الغناء كوظيفة أحصل منها على أموال لأعيش.. حوارى مع نفسى قرّبنى من حاجات كنت أجهلها.. اقتربت أكثر من الله، نفضتُ نفسى، أصبحت إنسانًا جديدًا، لكن كيف سأكون؟.
وأنا على هذا الحال الذى ينجح فيه غيرى، بينما أنا محلك سر، أرسلتْ السماء الفرصة لى.. جاءت من الرجل الذى أعطانى درسًا قبل سنوات.. درس «بطّل تتأنّف وتتّنّك زى محمد عبدالمطلب».. هو محمد حسن الشجاعى الذى لم يغادرنى درسه وأنا فى مرحلة الإصابة.. الشجاعى ده حكاية فى تاريخ الموسيقى.
طلبنى حسن الشجاعى فى الإذاعة، ذهبت وأنا على عكازين، كانت أوضاعى الصحية بتتحسن، قال لى: أسندنا إلى يوسف الحطاب إخراج ملحمة أدهم الشرقاوى، ورشحتك لغناء الموال من بين أسماء كثيرة كانت مرشحة: محمد قنديل، وكارم محمود، وعبدالغنى السيد، ومحمد عبدالمطلب.. أنا مراهن عليك، ودى فرصتك الكبيرة، لو ضاعت منك انسى تشوف فرصة زيّها تانى.
ناولنى الشجاعى الملحمة والموال فى ظرف مغلق، وكرر تحذيره: «اوعى الفرصة تفوتك، أنت فى تحدٍّ كبير، وعندى ثقة فيك».
أخذت الظرف المغلق.. خرجت من عند الشجاعى.. شعرت بأنها الفرصة التى منحها الله لى بعد محنتى التى طالت، ورأيت نفسى فيها إنسانًا جديدًا ينتظر لحظة انطلاقه.
كنت أسكن فى جاردن سيتى. فور أن وصلت إلى مسكنى فتحت الظرف المغلق، كانت فيه ملحمة أدهم كاملة و٨٥ موالًا.. كانت دراما الملحمة مكتوبة من محمود إسماعيل جاد، وكان موجودًا نص الموال الذى سأقدمه، وهو مجهول النسب.. حوّلت شقتى إلى ورشة عمل، جمعت كل آلاتية الفن الشعبى اللى بيلفوا فى الشوارع، وأحضرت فرقة الآلات الشعبية التابعة للثقافة الجماهيرية، فقدّم الجيران بلاغًا ضدى إلى قسم الشرطة لأنى سببت لهم إزعاجًا.. سمعت منهم كل المواويل الشعبية اللى بيغنّوها فى الأفراح والموالد، واستدعيت كل المخزون اللى عندى من دسوق، ومن مشاهداتى فى مولد «سيدى إبراهيم الدسوقى» والمواويل اللى سمعتها فيه والإنشاد الدينى، وافتكرت غناء أمى الحزين على حالها، ومواويل أبويا وأنا معه تحت ضوء القمر بنلف على الموالد.
لم أترك مكانًا فيه شىء عن موال أدهم إلا وذهبت إليه.. ذهبت إلى سوق «الكانتو» أبحث فيه عن أسطوانات قديمة لفنانين قدامى أسطوات فى فن الموال، وتعبت فى البحث عن أسطوانات لناس تكون غنّت الموال، اشتريت عددًا كبيرًا من الأسطوانات.. بصراحة كنت أبحث لدرجة السرقة من فكر كل اللى سبقونى فى تقديم فن الموال، وتقديم موال أدهم، وبالفعل وجدت أشياء مدهشة.. وجدت فكرًا فى أداء فنان الموال محمد العربى، والحاجة زينب المنصورية، استوعبت من الاثنين الكثير.. محمد العربى ده كان حاجة تقيلة جدًّا، اللى كان عايز يتعلم فن الموال على أصوله أيامنا كان لازم يسمعه، وأنا لما حضرت إلى القاهرة كان هو قد توفى من سنين «١٩٤١»، لكن عرفت حكايات كثيرة عنه وقت أيام سهرى وتسكعى على مقاهى شارع محمد على فى أثناء مرحلة ضياعى.. عرفت أن السرادق اللى كان بيسهر فيه كانت أهميته من نفس أهمية سرادق أم كلثوم لو سهر الاثنان فى ليلة واحدة.. سمعت حكايات كثيرة عنه من فريد الأطرش ومحمد عبدالمطلب.. عبدالمطلب قال لى إنه كان يتردد على مقهى كان يملكه العربى فى العتبة، ويغنّى فيه، وكان عنده نَفَس فى الموال مالوش آخر، وفريد قال لى إنه واحد من أساتذته.
لم يتوقف بحثى عند الجانب الفنى.. بحثت فى التاريخ إيه أصل وفصل حكاية أدهم.. طلبت من مؤسسة «دار الهلال» الصحفية أرشيف أدهم الشرقاوى، وجدت موضوعات تصفه بالإجرام، أذكر خبرًا بعنوان «عاقبة البغى، مقتل شقى كبير».
شغلتنى الحكاية، توصلت إلى أن الناس يخترعون أبطالهم، وبالذات اللى بيقاوموا السلطة، ولأن السلطة كانت فى هذا الزمن سلطة احتلال وظلم وفساد وملك «فؤاد الأول» مع الاحتلال، رأى الناس فى أفعال أدهم بطولة.
قدمت الموال بهذه القناعة.. كنت محتاجًا إلى أن أقتنع بأننى لا أغنّى لواحد «مجرم» زى ما وصفه البوليس وكتبتْ عنه الصحافة، ومع تضارب الآراء وجدتُ أنه فى أوقات الظلم الناس بتخترع أبطالها، ولا تصدق روايات الحكومة.
دخلت استديو الإذاعة للتسجيل.. كأنى كنت باغنّى لأول مرة، وعندى شعور بأن أنا فى امتحان كبير، لكنّ ثقتى كانت كبيرة فى أن الله لن يخذلنى لأنى اشتغلت على الموال، ووضعت فيه كل طاقتى الفنية والفكرية، وأول تحدٍّ كان أمامى هو أن أعلو فوق التمثيل فى الملحمة، يعنى أنا الذى أقود الدراما لا العكس.. كان التسجيل يستغرق ثلاث مرات، المرة الواحدة ساعة ونصف الساعة، وبعد أن أنهيت المرة الأولى، انتظرت رأى الشجاعى الذى كان يسمعنى، وإذا بى أفاجأ به يربط رأسه بمنديل، ويقول لى: «يخرب بيتك، إيه اللى عملته ده.. مبروك يا ابنى».
أذكر أن إبراهيم شفيق صاحب معهد «شفيق الموسيقى»، وهو كبير المقام فى مجال الموسيقى الشرقية كان موجودًا مع الشجاعى، سألنى: أنت ليه بدأت الموال «بياتى»، وبعدين قفلته «صبا»؟ قلت له: ماعرفش، ده إحساس.. رد: إنت صح.
كل المصريين، فى المدن، فى القرى، فى النجوع، كانوا يعدّون على أصابعهم أيام الأسبوع، من الجمعة للجمعة ينتظرون مصير أدهم، وإيه اللى هيحصل له، أول مرة بيسمعوا غناء فيه شخصيات من لحمهم ودمهم، نجحت الملحمة ونجح الموال، استيقظت أنا من قبرى، بعد نسيان عشر سنين، نعم كنت موجودًا لكن غير موجود، عدتُ فى لحظة وقفت الأغنية فيها عند «حبك نار»، و«ضى القناديل»، و«على قد الشوق»، عبدالحليم حافظ نفسه قال: نحن قدّمنا كل ما عندنا. والحقيقة أنا لم أكن قدمت شيئًا بعد.
وقعت مفاجأة لم أكن أتوقعها، وهى أن مخرج الملحمة يوسف الحطاب نسى أن يذكر اسمى فى العمل، فجُنّ جنونى حتى أرشدنى على فايق زغلول إلى أن أذهب إلى الصحفى محمد جلال فى مجلة «الإذاعة والتليفزيون» لشرح الموضوع له، وبعد أن استمع جلال لى، أرسلنى إلى كمال الملاخ فى «الأهرام»، فكتب عنها وقامت الدنيا، فاضطر يوسف الحطاب أن يضع اسمى.. لم يقتصر الأمر عند هذا الحد، وإنما كنت من المفروض أن أتقاضى ١٥٠٠ جنيه، لكن يوسف الحطاب جعلنى أوقّع على عقد قيمته ١٥٠ جنيهًا فقط.. الموال حقق أرباحًا حتى عام ١٩٩٠ تزيد على ٣ ملايين جنيه.

  1. الاخبار
  2. اخبار ترفيه فن والمشاهير