تجميل المآسي والأحزان.. هل تشجع منصات التواصل على الانتحار؟

١ اسبوع مضت ٢١
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

على الرغم من أنه مات فقيرا وحزينا، إلا أن "فنسنت فان جوخ" (Vincent Willem van Gogh) الرسام الهولندي (30 مارس /آذار 1853 – 29 يوليو /تموز 1890)، هو واحد من أكثر الرسّامين شهرة حول العالم الآن. والأكثر من ذلك أنه صار نموذجا في الدراسات والأبحاث التي تربط الفن والجمال بالحزن والجنون.

فمأساة فان جوخ، كفتى يبغضه أبواه ويكابد القلق والاكتئاب واضطراب ثنائي القطب ثم ينتحر في الثلاثينيات من عمره بعدما رسم أكثر من ألفي لوحة، صارت اليوم قصة رومانسية حزينة تتمتع بالانتشار خاصة بين أوساط المثقفين والمهتمين بالفنون والجمال. فما الجميل حقا في هذا العذاب النفسي والموت المبكر؟.

تجميل ما لا يجب أن يكون جميلا

على الرغم من أن الإصابة بالأمراض العقلية والنفسية كانت منذ عقود مضت وصمة عار يحاول الكثيرون إخفاءها، إلا أننا اليوم نأخذ منحى عكسيا آخر في التعامل مع المشكلة ذاتها، فبدلا من التعامل معها بجعل المرض العقلي أمرا مقبولا لا يستدعي النفور أو الإحراج، صار هناك ميل، وخاصة في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جعل الجنون والاكتئاب والحزن وحتى الميول الانتحارية سمة من سمات الجمال المأساوي الحزين.

واليوم، وعبر تفحص سريع للصور المرفقة بالمنشورات عن الأمراض النفسية على وسائل التواصل، سنجد أن معظم الصور تستعرض المرض النفسي كجمال حزين، فالذين يعانون من أمراض عقلية، وفقا لهذا التوجه، هم أشخاص مثيرون وعميقون وحساسون تجاه الفن والجمال، بل إن مرضهم النفسي هو ما يجعل جمالهم مميزا على وجه الخصوص؛ وسيقع في حبهم أي شخص بسبب تميزهم هذا.

📝 ‘Yesterday I drew a very large, rather rare night moth there which is called the death’s head, its coloration astonishingly distinguished: black, grey, white, shaded, and with glints of carmine or vaguely tending towards olive green; it’s very big’. pic.twitter.com/8ZSBlpvmbj

— Van Gogh Museum (@vangoghmuseum) August 15, 2020

وفي حين صار ادعاء بعض الأشخاص على منصات التواصل الاجتماعي بوجود مشاكل عقلية ونفسية وسيلة سهلة لجذب الانتباه والحصول على الحب والشفقة والدعم النفسي وأحيانا المادي، عوضا عن تطوير أي مهارات شخصية تقتضي عملا مضنيا وجهدا كبيرا، فإن أولئك الذين يعانون بالفعل من الأمراض النفسية والعقلية قد صاروا أكثر انعزالا وخجلا من التحدث علانية عن معاناتهم لشدة ما صار الحديث عن الأمر مبتذلا.

الخطر الكامن في الابتذال

على الرغم من أن عبارة "سيستمر الحزن إلى الأبد" لصاحبها فان جوخ عن استمرارية الحزن للأبد صارت واحدة من أكثر الاقتباسات شهرة واستخداما على منصات التواصل الاجتماعي، وعلى الرغم من أنها عادة ما تقدم في سياق عاطفي ورومانسي بشكل صار مبتذلا، إلا أن هذا الابتذال خطير جدا وقد يقتل أحيانا.

فالمنشورات التي تُجمّل المرض العقلي والحزن، أو ما هو أسوأ، والتي تجعل الانتحار يبدو وكأنه عمل فني مأساوي أو حزين لكنه جميل، أحيانا ما تُشجع على تحويل الفكرة إلى حقيقة. وربما لهذا السبب، صار إضفاء الطابع الرومانسي على الأمراض العقلية يمثل خطرا محدقا يجب الانتباه إليه. وفيما ينشر كثيرون هذا النوع من الرسائل للفت الانتباه، فقد يراه آخرون  على أنه الخيار الوحيد القابل للتطبيق بالنسبة لهم، وهو أمر خطير للغاية، لأنهم قد ينتحرون فعلا.

الجانب الخطير الآخر لتلك المنشورات، التي تُضفي طابع العمق والجمال الحزين على الأمراض النفسية، هو أنها تصرف الانتباه عن الذين يعانون فعلا في صمت، لأن ذويهم أو معارفهم ينظرون إليهم على أنهم "مُدّعي عُمق"، بينما هم في الحقيقة يحاولون جاهدين التأقلم مع وضع نفسي وعقلي شديد الثقل وشديد المرارة.

الألم لا يساوي الجمال

وفقا للناقدة الفنية البولندية أوزي شوالتر، فقد غيرت منصات التواصل نظرة الناس إلى الأمراض النفسية فأبرزتها على أنها "شاعرية أو "عميقة" أو "تزيد من قيمة المرء"، بما في ذلك حالة فان جوخ المأساوية فقد صارت عُمقا. ومع ذلك، فإن ما قدمه العديد من رواد تلك المنصات حقا هو ابتذال للفكرة وللمرض، ومن ثم تقليل احتمالية حصول المحتاجين فعلا على المساعدة.

تقول الطبيبة النفسية ربيكا برينتس "الحزن ليس جميلا ولا يجعلك أكثر جاذبية. لن تُغيّر الصور الفنية لحبوب الانتحار أو مسدس يطلق الزهور حقيقة أن المرض العقلي ليس شكلا من أشكال الفن يمكنك "إتقانه". إنها تجربة يمكن أن تجعل كل يوم من حياتك مؤلما وتعيسا. الأمراض العقلية ليست "جماليّة ولا شاعريّة"، إنها دموع وصدمات ونوبات حزن وهلع، إنها علاج وأدوية وأفكار انتحارية وتدمير للذات، إنها معركة يومية قد تشعر باستحالة الفوز فيها. الألم لا يعني الجمال، الألم يساوي الألم".

ختاما، فإن الشخص الذي يعاني يوميا للنهوض من السرير ليس عميقا، والشخص الذي يقطع شريانه حزنا ليس شاعريا، والشخص الذي يتلوى في الأرض من شدة الهلع والبكاء ليس فنانا. إنهم أشخاص يتعرضون للتعذيب ويحتاجون للحب والدعم. وإذا كنت لا تعرف واحدا منهم بشكل شخصي، تأكد على الأقل من نشر الوعي النفسي بشكل سليم حتى لا يضيع الذين يعانون فعلا في بحر المتصنعين والمدعين.

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية