محمد الباز يكتب: هوما عابدين.. عرّابة الإخوان فى رسائل هيلارى كلينتون

٣ اشهر مضت ٢٣
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

المؤامرة الكبرى المتن والهامش «3»

الخميس 15/أكتوبر/2020 - 08:14 م

الدكتور محمد الباز

الدكتور محمد الباز


حتى الساعات الأخيرة من يوم ٢٨ يناير ٢٠١١ لم يكن يعرف الكثيرون ما يحدث على الأرض، ملايين المصريين يشاهدون على الشاشات بعضًا من أحداث يوم القيامة، دون أن يعرفوا إلى أين تقودهم الأحداث، ولا إلى أى مرفأ يمكن أن ترسو سفينتهم. وحدهم من خططوا لكل هذا على الأرض كانوا يعرفون ماذا يريدون، ووحدهم من كانوا يراقبون عن بُعد هناك فى الولايات المتحدة الأمريكية وعواصم العالم المختلفة، ينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض.
رسائل يوم ٢٩ يناير ٢٠١١ التى تلقتها هيلارى كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، على بريدها تكشف لنا جانبًا مما جرى، وتضع على المسرح أمامنا شخصيات كنا نعرف أسماءهم ومناصبهم، دون أن ندرك الدور الحقيقى الذى يقومون به.

الرسالة «10»
صباح ٢٩ يناير ٢٠١١ أرسلت هوما عابدين، نائبة رئيس موظفى مكتب هيلارى كلينتون ومساعدتها المقربة، رسالة لها تتضمن جدول أعمال الغد.
جدول أعمال كلينتون كان مكالمة تليفونية فى الثامنة صباحًا، ولا يوجد تحديد هل هذه المكالمة خاصة بمصر، أم أن هناك أمورًا أخرى، وفى الثامنة وخمس وأربعين دقيقة «باتريوتا»، ويرجح أنه أنطونيو باتريوتا، وزير خارجية البرازيل، وفى التاسعة والنصف صباحًا، ورغم أن النص محجوب، فإن الرسالة تتضمن أن الموعد تغير، وأنهم سيتصلون بهيلارى حول «سيسكو»، وهى شركة عالمية فى مجال الاتصالات وتقنية المعلومات.
البند الأخير قد تكون له علاقة بمصر، ففى اليوم السابق كانت هيلارى كلينتون قد تلقت رسالة حول وضع قطع الاتصالات والإنترنت فى مصر، وكان هناك تحذير أن الأمر لو استمر أكثر مما ينبغى فيمكن أن يتحول إلى شكوى عالمية، وذلك لما له من انعكاسات اجتماعية هائلة على الأرض.
الرسالة قد لا تكون خطيرة من أى وجه من الوجوه، فهى فى النهاية مجرد تنظيم لجدول أعمال وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، لكن يمكننا أن نتوقف أمامها قليلًا، ففيها يظهر اسم هوما عابدين.
من يعرفون هوما عابدين جيدًا، يعرفون أنها كانت من بين أصحاب الفضل فى تقريب جماعة الإخوان من الحزب الديمقراطى، ومن قياداته، وعلى رأسهم هيلارى كلينتون وبالتبعية باراك أوباما، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.
هوما من مواليد العام ١٩٧٦، ولدت فى «كالامازور» بولاية «ميشيجان»، وقبل أن تتم العامين من عمرها انتقلت لتعيش مع والديها فى المملكة العربية السعودية، وهناك تعلمت فى المدارس الدولية، وعندما عادت إلى الولايات المتحدة الأمريكية فى سن الـ١٨ عامًا، درست فى جامعة واشنطن.
نقطة التحول فى حياة هوما عابدين، كانت فى عام ١٩٩٦، عندما تقدمت بطلب للتدريب العملى داخل قسم الصحافة فى البيت الأبيض، عندها التقت هيلارى كلينتون التى كانت وقتها السيدة الأولى، واستطاعت أن تقترب منها وتتحول من مجرد موظفة فى البيت الأبيض إلى صديقة، بعد الدعم النفسى الذى قدمته لهيلارى بعد صدمتها على هامش كشف فضيحة زوجها بيل كلينتون الجنسية مع المتدربة «مونيكا لوينسكى».
عبّرت هيلارى عن درجة قرب هوما عابدين منها خلال حفل زفافها بأنتون وينر، قالت يومها: «لدىّ بنت واحدة فقط، لكن لو كان لدى بنت ثانية لكانت هوما».
فى ٢٠١٠ تم الكشف عن علاقة هوما عابدين بجماعة الإخوان المسلمين، من خلال رسالة أرسل بها عدد من أعضاء الكونجرس إلى نائب المفتش العام فى وزارة الخارجية «هارولد دبليو جيزل» يطلبون منه القيام بتحقيق حول تأثير أى شخص ذى علاقة بالإخوان فى سياسة وزارة الخارجية، واستشهدوا فى رسالتهم بدراسة أعدها «مركز سياسة الأمن» الأمريكى بأن هوما عابدين، نائبة رئيس موظفى وزارة الخارجية، لديها ثلاثة أفراد من العائلة أبوها وأمها وأخوها، على صلة وثيقة بجماعة الإخوان ومنظماتها.
المعلومات التى كانت متوافرة، وعملت عليها الصحف الأمريكية وقتها، أن والدة هوما عابدين عضوة فى منظمة الأخوات المسلمات، وهى فرع سرى لنساء جماعة الإخوان، وأن شقيقها حسن، الذى يعمل بجامعة أكسفورد البريطانية، عضو نشط فى التنظيم الدولى للإخوان.
ولم يكن من الغريب أن يدافع باراك أوباما بنفسه، فى ١١ أغسطس ٢٠١٢ فى حفل الإفطار الرمضانى السنوى فى البيت الأبيض، عن هوما عابدين.
يومها قال: «أمريكا تعتنى بمسلمات من طالبات ومعلمات ومحاميات ومقاولات ومجندات، وكذلك بعضوات الإدارة، بينهن هوما عابدين التى عملت من دون كلل فى البيت الأبيض ومجلس الشيوخ ووزارة الخارجية، حيث نفذت عملًا استثنائيًا فى تمثيل أمريكا والقيم الديمقراطية».
أوباما نفسه أشار إلى العلاقة الوثيقة التى تربط بين هيلارى وهوما، فقال: «الوزيرة كلينتون تعتمد على مهارة عابدين، لذا تستحق امتنان الشعب الأمريكى، ونعتبرها مثالًا لما نريده فى هذا البلد، وهو ازدياد الموظفين الحكوميين الذين يملكون إحساسًا باللياقة والكياسة، من هنا أشكرها نيابة عن كل الأمريكيين».
فى الغالب لم يكن كلام أوباما إلا بإيعاز من هيلارى كلينتون، التى وجدت أن هوما تتعرض لهجوم كبير، أدى إلى وضع أسرتها تحت حماية الشرطة بعد أن تلقت تهديدات بالقتل بسبب علاقتها بتنظيم إرهابى هو جماعة الإخوان المسلمين، وفى الغالب أيضًا فإن دفاع أوباما نفسه هو ما يؤكد لنا أن ما تردد عنها لم يكن افتراءً، فقد لعبت هوما عابدين دورًا كبيرًا على الأقل فى تشكيل صورة الإخوان لدى هيلارى، وقربت بينها وبين عدد من قيادات الجماعة ليس فى مصر فقط، ولكن بينها وبين أعضاء التنظيم الدولى أيضًا.
اسم هوما عابدين طفا على السطح بقوة فى عام ٢٠١٦ عندما عملت إلى جوار هيلارى كلينتون فى حملتها الانتخابية ضد دونالد ترامب، وعندما حصل مكتب التحقيقات الفيدرالى «إف بى آى» على مذكرة للبدء فى مراجعة أعداد هائلة من الرسائل التى تم العثور عليها فى جهاز محمول خاص بها، وجهاز آخر خاص بزوجها.
صحيفة «وول ستريت جورنال»، التى كشفت عما جرى وقتها، أشارت إلى أن عدد الرسائل يصل إلى ما يقرب من ٦٥٠ ألف رسالة، وهو ما يعنى أن هوما عابدين لم تكن مساعدة مقربة من هيلارى كلينتون فقط، ولكنها كانت أمينة سرها أيضًا.
وتخيل أن شخصية بهذا القرب من جماعة الإخوان كانت قريبة من هيلارى كلينتون فى وقت حرج، كانت تتحرك فيه الجماعة نحو السلطة، لم تكن هيلارى تنتظر هوما بالطبع لتساند جماعة الإخوان، فقد كان هذا قرارًا أمريكيًا، لكنها على الأقل ساهمت فى أن تعمل هيلارى ذلك بقناعة كاملة.

الرسالة «11»
هنا رسالة أعتقد أنها مهمة جدًا، أرسلها مارك جيه بن، مستشار هيلارى كلينتون، إليها مباشرة ودون وسائط.
يقول مارك فى رسالته: حظًا سعيدًا فى برنامجك غدًا، كل ما يمكنك فعله هو الإصلاح، الإنترنت، السماح للمصريين بحل مشاكلهم الخاصة، مراقبة الأحداث عن قرب، دراسة جميع الخيرات، التواصل مع الجميع فى كل مكان، أن تكونى فى حالة تأهب وملتزمة بأمن إسرائيل.
ويضيف مارك: السياسة فى مصر غادرة أكثر مما يبدو عليه- ألقى الرئيس خطابه فى القاهرة داعيًا فعليًا إلى مزيد من الديمقراطية، وإذا تولى الإسلاميون السلطة فى مصر فسيتم إلقاء اللوم على السياسة الخارجية الأمريكية لإنشاء إيران أخرى، ولنواجه أى صوت فى مصر يساعد على إعادة القوات المناهضة لإسرائيل والمعارضة للسلام، مما قد يزيد من زعزعة استقرار المنطقة، ونادرًا ما ينتهى الأمر بمن يبدأون ثورة فى الإمساك بالسلطة، ونادرًا ما ينتهى بهم الأمر إلى الحكم بشكل مختلف، سواء كانت كوبا أو إيران، المشكلة أن الولايات المتحدة تنتقل من امتلاك مبارك إلى امتلاك الثورة، وهى تتجه نحو المحتجين دون أى قدرة حقيقية على التأثير على أى من الطرفين أو نتائجها.
كان مارك فى هذه الرسالة يضع أمام هيلارى ما يمكنها أن تفعله فى مصر، ويحدد الأولويات التى يجب أن تراعيها، ولم يكن غريبًا أن يقول إن الحفاظ على أمن إسرائيل هو الأساس فى كل ما يجرى، فلا بد من الحيلولة دون وصول من يعادون إسرائيل أو يرفضون السلام إلى الحكم، ويبدو أن هذه الصيغة تحديدًا لم تكن مزعجة بالنسبة لهيلارى، فقد كانت تعرف أن الإخوان أصبحوا جاهزين تمامًا للتعاون مع إسرائيل حال وصولهم للسلطة، بل يمكن أن تحصل من الإخوان فيما يخص إسرائيل على ما عجزت عن الحصول عليه من مبارك نفسه.
كل ما فعلته هيلارى فى هذه الرسالة أنها أعادت توجيهها مرة أخرى إلى مساعدها أوسكار فلوريس، وطالبته بالنظر فيها، لما لها من أهمية.

الرسالة «12»
بعد قليل من الرسالة الأولى التى أرسلت بها هوما عابدين إلى هيلارى كلينتون، عادت مرة أخرى وأرسلت لها رسالة أخرى، الموضوع كما هو مكتوب به اسم «محجوب»، لكن فى الرسالة إشارة يمكن أن نعتمد عليها قليلًا.
النص كان كالتالى: يريد «محجوب» التحدث حول مصر، أى وقت بعد الساعة الحادية عشرة والنصف.
عندما نراجع الأحداث، يمكننا أن نخمن الاسم المحجوب فى هذه الرسالة، أعتقد أنه كان أيضًا سعدالدين إبراهيم، الذى كان يقيم فى أمريكا وقت الثورة، وكان يريد بأى طريقة أن يسهم فى الإطاحة بنظام مبارك، وكان على اتصال لحظة بلحظة بمن يعملون معه فى مركز ابن خلدون، وجميعهم كانوا فى ميدان التحرير.
إلحاح سعدالدين إبراهيم على مقابلة أوباما، ثم إصراره على مقابلة هيلارى كلينتون بعد ذلك يكشف أنه كان يريد أن يكون أحد مصادر تشكيل الصورة فى غرفة عمليات البيت الأبيض.
لم ينكر سعدالدين إبراهيم ما جرى، لكنه رواه على هواه، وبالطريقة التى تروق له بالطبع.
كان سعد يتحدث فى إحدى جلسات «رواق ابن خلدون» فى العام ٢٠١٥.
قال: كانت الإدارة الأمريكية مهتمة فى الساعات الأولى للثورة بمعرفة: مَن هؤلاء الذين فى الميدان، وما مطالبهم، وهل هم من جماعة الإخوان أم لا، وما حجم الآخرين فى الاحتجاجات؟، وذلك لتحديد موقفها مما يجرى على الأرض.
ويضيف سعد: كنت مقيمًا فى الولايات المتحدة خلال تلك الفترة، فى نيويورك تحديدًا، حيث كنت أعمل مدرسًا فى الجامعة، وفوجئت بعد أن اندلعت أحداث الثورة باتصال من البيت الأبيض يطلب منى الحضور إلى واشنطن إذا أمكن لمناقشة الإدارة الأمريكية حول تطورات الأحداث وأفقها، ذهبت ففوجئت هناك بدعوتى إلى المكتب البيضاوى، حيث وجدت ممثلين عن مختلف فروع الإدارة الأمريكية، بمن فيهم قادة لأفرع أجهزة المخابرات والمعلومات، وقد انتابهم القلق والتساؤل بشأن التظاهرات التى اتسع نطاقها.
يحكى سعد عما دار بينه وبين الرئيس أوباما بعد ذلك.
يقول: أثناء الاجتماع دخل علينا الرئيس الأمريكى باراك أوباما وصافحنى.
سألنى: ما الذى يحدث فى مصر؟
أجبته: لقد أخبرتكم يا فخامة الرئيس فى وقت سابق، أن نظام مبارك لن يحتمل الاستمرار، إذا خرج ١٠٠ ألف متظاهر مصرى ضده فى الشوارع لمدة أربعة أيام، وها هى الملايين قد خرجت فى ميدان التحرير.
وكما يروى إبراهيم نظر إليه أوباما وقال له: نعم ولكن من هم هؤلاء الذين يتظاهرون فى التحرير، وما مطالبهم بدقة حسب معرفتك؟.
فأجابه: لن أجيب أنا يا سيادة الرئيس، وإنما سأجعل متظاهرة ومعتصمة فى التحرير تجيب بنفسها، وهى وسط الجموع.
طلب سعدالدين إبراهيم زوجته باربرا إبراهيم المتظاهرة بالميدان من هاتفه، فقالت لأوباما: مساء الخير سيدى الرئيس، فقال لها أوباما: من أنت؟، فقالت: أنا مواطنة أمريكية موجودة بالتحرير، فسألها: من هم هؤلاء المتظاهرين فى الميدان؟ فردت: هؤلاء هم شبيهون بأولئك الذين انتخبوك فى الولايات المتحدة، حين طرحت شعار التغيير وقلت نعم نستطيع، هؤلاء هم الشباب المصرى الذين استجابوا لخطابك فى جامعة القاهرة، وعدد ضخم من هؤلاء المتظاهرين فتيات وخريجو وطلاب جامعات ممن آمنوا بضرورة الإصلاح.
قال لها أوباما: وماذا تعتقدين أن أفعل كرئيس أمريكى؟
ردت باربرا: الكثير سيدى الرئيس، وأنا كمواطنة أمريكية أتصور أن أبسط الأشياء أن تتوقف عن دعم نظام مبارك من أموالى كدافعة ضرائب.
يمكننا أن نمنح سعدالدين إبراهيم طرف الحديث مرة أخرى، ونتركه يروى بقية ما جرى.
يقول: بعد أن أنهى الرئيس أوباما المكالمة مع زوجتى، توجه بالحديث إلىّ، وقال أتصور أنه من الأفضل أن تبقى معنا هنا فى واشنطن حتى نرى وجهة الأحداث، فقلت له لكنى أعمل فى الجامعة ولن تتحمل انقطاعى عن العمل، فمازحنى قائلًا: ستبقى معنا فى واشنطن، وسأخبرهم أننى اختطفتك واحتجزتك هنا رهينة فى البيت الأبيض، وعليهم أن يتصرفوا.
لم يتحدث أحد من الأمريكان عما فعله أو قاله سعدالدين إبراهيم فى البيت الأبيض، وعليه فمسئوليته تقع عليه وحده، ورغم أننى أميل إلى أنه مَن طلب أن يكون موجودًا، وأن يقدم الصورة التى يريدها عن الأحداث للإدارة الأمريكية، إلا أنه يظل صادقًا فى روايته حتى نمتلك دليلًا متماسكًا على كذبها.

الرسالة «13»
طوال يوم السبت ٢٩ يناير ٢٠١١ كانت هيلارى تتلقى على بريدها الإلكترونى تقارير من مستشاريها، لوضع كل الخيارات أمامها.
سيدنى بلومنتال، أحد مستشارى هيلارى أرسل لها رسالة، الملاحظة الأهم فيها أن العنوان أصبح «الثورة المصرية»، وهى أول مرة يظهر فيها هذا التعبير فى الرسائل، قبل ذلك كان يتم الاكتفاء بالإشارة إلى أن الموضوع مصر أو تحديثات مصر، أو الإطلاع على مصر، أو ملاحظات مصر، لكن وبوضوح أصبح العنوان هو الثورة المصرية.
يقول سيدنى بلومنتال لهيلارى: أنا متأكد من أنك قد تلقيت جميع الخيارات الممكنة من أشخاص مطلعين للغاية، ولكن من المحتمل أن تكون مفصلة، وبالتأكيد أقل إطلاعًا من الآخرين، وهنا أكثر من نقطة مهمة.
فقد تظهر الدعوات المتجددة لوضع حد للعنف فى هذه المرحلة فقط كتشجيع ضمنى لمبارك لإخماد الثورة سريعًا، مبارك خسر بالفعل، المجتمع المصرى اتخذ قراره، ربما ينجح مبارك فى قمع الثورة، ولكن القيام بذلك سيضمن فقط نتيجة متطرفة أكثر شراسة فى المستقبل، هذا ليس فى مصلحة الولايات المتحدة.
ينتقل بلومنتال بهيلارى إلى نقطة مهمة أخرى، يقول عنها: أظن أن الإجراءات التالية ستؤدى إلى عنف تخريبى مع أقل النتائج إيجابية فى مصر، وتشويه جذرى لموقف الولايات المتحدة فى مصر والعالم العربى. وعليه يقترح سيدنى عدة إجراءات يمكن أن تصب فى مصلحة الولايات المتحدة.
أولًا: على مبارك أن يعلن على الفور أنه لن يكون هو أو ابنه مرشحين فى الانتخابات الوطنية التى ستجرى فى جمهورية مصر العربية، وعليه أن يدعو مراقبين دوليين ومن الأمم المتحدة لضمان إجراء هذه الانتخابات بحرية ونزاهة.
ثانيًا: يجب على الولايات المتحدة إبلاغ مبارك أن المساعدات المستقبلية ستكون مشروطة بإجراء انتخابات حرة ونزيهة التى لا يكون فيها أى منهما، هو أو ابنه مرشحين.
ثالثًا: على الولايات المتحدة إبلاغ مبارك أنه إذا تبين- بعد إعلانه عن هذه الانتخابات خلال الفترة الانتقالية- تورط الشرطة المصرية فى أعمال قمع سياسى وحشى، فالولايات المتحدة ستصوت لصالح قرار أممى وعقوبات ضد نظامه، والمساعدات الأمريكية ستكون متوقفة على الالتزام بمعايير حقوق الإنسان العالمية الواردة فى ميثاق الأمم المتحدة ومصر من الدول الموقعة.
يخرج سيدنى من حديث الإجراءات إلى حديث التحذيرات، يقول: وغنى عن القول أن الثورة المصرية تنذر بتركيز شديد على انهيار المبادرات الأمريكية بشأن إسرائيل وفلسطين، كونى على استعداد لتحمل العواقب، فى حين أن حكومة نتنياهو والمحافظين الجدد الأمريكيين يصرخون باستمرار على نزع الشرعية عن إسرائيل، ونزع الشرعية عن السلطة الفلسطينية بالفعل، بالإضافة إلى ثورة ما بعد مصر، وبدون ضغوط متجددة، فإن الموقف الأمريكى سيدخل مرحلة جديدة دون نزع الشرعية فى العالم العربى من البوسفور إلى النيل، أو كونى مستعدة بخط أكثر صرامة يجبر بغض النظر عن التداعيات المحتملة فى الدورة الانتخابية الأمريكية لعام ٢٠١٢، فى أفضل نتيجة ممكنة إذا كنا محظوظين حقًا، مع حكومة مصرية منتخبة بحرية، ستضطر يد أمريكا إلى التدخل فى أى حالة.
ردت هيلارى على هذه الرسالة بقولها: أنا أحتاج جميع النصائح الجيدة التى يمكننى الحصول عليها.
بعد قليل أرسل سيدنى بلومنتال رسالة إلى هيلارى يقول لها فيها: بالتأكيد تعرفين أن سليمان، رئيس المخابرات، ليس هو مرشح الشعب. وأرفق مع رسالته مقالًا منشورًا عن عمر سليمان فى مجلة النيويوركر الأمريكية فى ٢٩ يناير ٢٠١١ كتبه جين ماير، وتم التركيز فيه على أنه بعد تعيينه نائبًا لمبارك فإنه على وشك أن يكون خليفة محتملًا، وبديلًا لمبارك ووريثه المنتظر حتى الآن جمال مبارك.
ويقول مقال النيويوركر عن سليمان: هو شخصية معروفة فى واشنطن، لطيف، ومتطور، ويتحدث الإنجليزية بطلاقة، وعمل لسنوات كقناة رئيسية بين الولايات المتحدة ومبارك، ويتمتع بسمعة طيبة فى الولاء والفاعلية، إلا أنه يحمل أيضًا بعض الأمتعة المثيرة للجدل من وجهة نظر أولئك الذين يبحثون عن قائمة نظيفة لحقوق الإنسان،
لا جديد فى السياسة الأمريكية على الإطلاق، كل ما يمكننا الإمساك به هنا أن إدارة أوباما كانت تسعى إلى تنفيذ ما خططت له فى مصر منذ سنوات، ربما كان الخروج الجماهيرى الحاشد مفاجئًا، لكنها فى النهاية استطاعت أن تطوع كل شىء لما أرادت.

  1. الاخبار
  2. اخبار مصر