عام على حراك 17 أكتوبر.. هل فشل أوسع حراك شعبي في لبنان؟

٣ اشهر مضت ١٧
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

بين أكتوبر/تشرين الأول 2019 ونظيره في 2020، عاش اللبنانيون عاما استثنائيا، بدأ بانطلاق تحركات شعبية عمّت البلاد منذ 17 من هذا الشهر عام 2019، لكنه واجه تطورات سياسية وأحداثا وضعته أمام تحديات صعبة، بعد أن راهنت السلطة الحاكمة على فشله.

ففي تلك الليلة، خرج مئات اللبنانيين عفويا إلى شوارع بيروت، اعتراضا على فرض ضريبة اتصالات شهرية تبلغ 6 دولارات على تطبيق "واتساب"، ورغم أن وزارة الاتصالات تراجعت حينها عن قرارها الضريبي، فإنها لم تلجم غضب اللبنانيين، الذين استيقظوا صباح 18 أكتوبر/تشرين الأول 2019 على تحركات شعبية واسعة عمّت مختلف المناطق اللبنانية.

خلال هذا العام، وهو أيضا ذكرى المئوية الأولى لقيام لبنان الكبير (1920)، عبّر اللبنانيون في محطات كثيرة شكلت منعطفا مفصليا، ورأى فيها كثيرون مرحلة تأسيسية لمئوية لبنان الجديدة.

بعد أيام من انطلاق الحراك، سقطت حكومة الرئيس سعد الحريري في 29 أكتوبر/تشرين الأول 2019، وتوالى تدهور الليرة اللبنانية، وإقفال آلاف المؤسسات، وارتفاع نسبة البطالة، واتخاذ المصارف إجراءات قاسية بحق المودعين.

لاحقا، تشكلت حكومة حسان دياب في 21 يناير/كانون الثاني، ثم تراجع تدريجيا الزخم في الشوارع، إلى أن جاء انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس/آب 2020؛ فدمر بيروت، وأودى بحياة أكثر من 200 ضحية وآلاف الجرحى، ثم استقالت حكومة دياب في العاشر من أغسطس/آب، ودخل لبنان مرحلة جديدة، وصار إنقاذه معلقا على أمل إنجاح "المبادرة الفرنسية" وتشكيل حكومة "مهمة" جديدة.

هذه التطورات -وغيرها- وضعت الحراك المطلبي في لبنان أمام تحديات صعبة، بعد أن راهنت السلطة الحاكمة على فشله. وفي مراجعة سريعة لاحتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول، حاورت الجزيرة نت عددا من الناشطين والأكاديميين والمحللين لسؤالهم: هل فشل أوسع حراك مطلبي عمّ لبنان؟ ومن يتحمل المسؤولية؟

هذا العام يوافق الذكرى المئوية الأولى لقيام لبنان الكبير 1920 (الجزيرة)

"17 أكتوبر" مستمرة ولم تفشل

يرفض المحامي والناشط السياسي "واصف حركة" اتهام حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول بالفشل، ويرى أنه ما زال مستمرا، "بدليل حالة "تخبط أركان السلطة وعجزها عن صياغة أي اتفاق ينقذها من ورطتها في الداخل وأمام الخارج".

ويعتبر حركة أن انتفاضة 17 أكتوبر/تشرين الأول جاءت لتقول إن النظام في لبنان فقد أسباب وجوده، والمعركة الحقيقية هي لصالح بناء الدولة المدنية. في المقابل، يرى أن ثمة إخفاقات وقع فيها الحراك، "من دون تحميله مسؤولية الفشل لأن في ذلك تقزيما لحجم الحدث".

ومن بين هذه الإخفاقات -وفق حركة- أن القوى المعارضة في الشارع لم تنجح في بلورة صيغة لها ضمن إطار واحد، ولم تحسن التقارب من بعضها، وكل مكسب تحققه كانت تخسر ديناميكيته لأنها لم تحسن البناء عليه في مواجهة السلطة التي نجحت في الانقضاض على الحراك حتى في أكثر لحظات ضعفها.

ولأن السلطة الحاكمة متجذرة في النظام اللبناني منذ 30 عاما، استطاعت -وفق حركة- أن تخترق الحراك، رغم قدرته على كشف المتحزبين والمندسين لمجرد رفع شعار "كلن يعني كلن".

أما أهم نقاط قوة الحراك الشعبي -كما يقول حركة- فهي أنه كان رمالا متحركة تضرب مواقع مجتمعية للسلطة في المناطق والأطراف، لذا كانت لا مركزية الانتفاضة من أهم إنجازاتها، و"ما نسعى إليه في المرحلة المقبلة أن يكون تمددها أفقيا، لكن الأمر يحتاج إلى التعلم من الأخطاء الماضية"، حسب حركة.

احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول بدأت عفوية ثم اخترقتها قوى سياسية مختلفة (الجزيرة)

إشكالية حزب الله قسّمت الحراك

أما أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية ميشال دويهي فيرى أن من إيجابيات الحراك أن اللبنانيين تخطوا فيه الطائفية والمناطقية والطبقية كمفاهيم تحكمت في حياتهم على مدار 30 عاما خلت.

لكن ما أفشل احتجاجات 17 أكتوبر/تشرين الأول هو الهرب من السياسة ببروز إشكالية حزب الله، وعدم التوافق على كيفية التعاطي معها. وحسب الدويهي، فقد انقسمت المجموعات بين من يريد تحييد حزب الله عن المواجهة واستثنائه من شعار "كلن يعني كلن"، ومن يعتبر أن أصل المواجهة هي مع الحزب باعتباره الراعي الأقوى للمنظومة الحاكمة.

إشكالية حزب الله أصابت الحراك الشعبي بالتقهقر، وفق الدويهي، الذي يعتبر أن "أي حراك في لبنان لن ينجح إذا أراد تحييد حزب الله". وقال إن المطلوب كان موقفا ثابتا من الحزب وليس مواجهته في الشارع؛ لذا "ذهبت بعض المجموعات إلى النزاع مع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، في وقت يشكل فيه سلامة جزءا من المشكلة وليس أصلها التي تقع على عاتق رعاة العهد والمنظومة".

ويشير الدويهي إلى أن حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول انتهى برومانسيته، وفق تعبيره، حين نالت حكومة حسان دياب الثقة في 11 شباط/فبراير 2020، وترافق ذلك مع عنف مفرط في الشارع ضد المتظاهرين، ثم تفشى وباء كورونا، مما دفع الناس إلى الخوف والتراجع.

وعليه، يرى الدويهي أن إكمال مسار الانتفاضة لا يمكن أن يتحقق بالمشهد الكرنافالي السابق، ويعتبر أن الحراك أمام تحديات مختلفة، نتيجة سعي المنظومة للعودة إلى زمنها الجميل قبل تاريخ 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، عبر تشكيل حكومة مع سعد الحريري.

تدهور الحالة الاقتصادية كان سببا في اندلاع حراك 17 أكتوبر /تشرين الأول 2019 (الجزيرة)

"17 أكتوبر" فشلت وانتهت

على الجانب آخر، يرى الكتاب والمحلل السياسي وسيم بزي (المقرب من حزب الله) أن لحظة 17 أكتوبر/تشرين الأول كانت عفوية وعابرة للطوائف والمناطق اللبنانية، لكنها حالة لم تستمر إلا أسابيع قليلة، قبل أن تتبدل مجموعة من العوامل حرفت مسار التحركات.

ويرفض بزي اتهام حزب الله وحلفائه بقمع المتظاهرين، ويعتبر أن الجماهير الشعبية لهذه الأحزاب تعرضت للاستفزاز بعد أن دخلت قوى سياسية على خط التحركات، مثل القوات والكتائب اللبنانية، وكذلك تيار المستقبل المتهم بفساد إرثه السياسي، على حد تعبير بزي.

والسبب الجوهري لسقوط حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول -وفق بزي- يكمن في عدم جرأة مجموعات الحراك على الذهاب إلى طرح مشروع سياسي متكامل الأبعاد والأهداف. وقال بزي "في كل مرة كانت مجموعات الحراك تحاول خوض هذا التحدي، كانت تغلب عليها الانقسامات والذاتية والنزعات المتناقضة، وهربوا من الاستحقاق القيادي، كي لا يُكشف ضعف حجمهم التمثيلي".

ويرى أن العامل الخارجي استطاع أن يتسلل إلى الحراك عبر المنظمات الدولية (إن جي أوز)، لفرض أجندات دولها المشبوهة، وفي طليعتها أميركا. وأضاف أن الحراك الشعبي حاول أن يغرف من المساحة الجماهرية لبيئة المقاومة، قبل أن ينجح حزب الله في احتوائها.

أما الخطوط الحمراء التي وضعها أمين عام الحزب حسن نصر الله، فكانت لحماية السلم الأهلي، والقوى السياسية التي أنتجتها انتخابات 2018 (الجوهر الأساسي)، وللحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة التي كانت تتعرض لانتهاكات المتظاهرين، وفق بزي.

وعليه، فإن حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول فشل وانتهى بصيغته الأولى. أما حزب الله، فـ"يدرك أن النظام اللبناني يحتاج إصلاحات وقراءة جديدة تستفيد من عبر الماضي، لكن واحدة من أهم مقارباته أن لبنان لا يؤخذ بإرادة طرف واحد، ولا يحكم إلا بالشراكة. وليست مشكلته أنه الأقوى بمعادلة الشراكة، إنما مشكلة الآخرين في ضعفهم"، على حد تعبير بزي.

فرض خريطة سياسية

ويرى المهندس والناشط السياسي في الحراك إبراهيم منيمنة أن إشكالية حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول تكمن في أن مجموعاته لم تستطع أن تفرض خريطة سياسية أو إطار تنظيمي لها، كي تنتقل إلى مرحلة الحراك الممنهج بأهداف سياسية تستطيع المناورة.

ومع ذلك، يرى منيمنة أن الحراك الشعبي نجح في إظهار حالة الرفض التي يعيشها اللبنانيون تجاه السلطة السياسية. وقال إن السلطة نجحت في محاولات استثمار الحراك وإجهاضه، بعد أن أدركت طبيعته العفوية، ونجحت في اختراق شعار "كلن يعني كلن"، وعملت على تفكيكه.

ولأن الحراك لم يتبلور بخطاب سياسي جامع، فقد الناس الأمل وانكفؤوا عن النزول إلى الشارع، حسب منيمنة. كما تأثروا بخطاب القوى السياسية التي عملت على ترهيب المتظاهرين، واستخدام الخطاب التخويني بوصف مجموعات الحراك بأنهم "جماعة السفارات".

ولكي يستعيد حراك 17 أكتوبر/تشرين الأول زخمه في هذه المرحلة الصعبة، يرى منيمنة أنه لا بد للمجموعات السياسية المعارضة أن تضع خريطة مطالب وإصلاحات، وتنتج خطابا سياسيا يعبّر عن مطالب الناس لتحقيق التغيير السياسي، ويشير إلى أن ثمة جبهات وأطرا تنظيمية يجري العمل على إطلاقها لأن الناس في لبنان تريد شيئًا واضحًا ومحددًا، لتعريف المشكلة وتحديد سبل مواجهاتها.

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية