معرض «تراثنا».. ثلاثية الحلم والفن والهوية

٣ اشهر مضت ٢٥
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

إسراء النمر

قبل أن أذهب إلى معرض «تراثنا»، الذى أقيم الأسبوع الماضى فى مركز مصر للمعارض الدولية بالتجمع الخامس، كان لدىّ اعتقاد أننى سأجد فوضى عارمة، وأننى بالطبع لن أمكث كثيراً خوفاً من الوباء، كما أن ارتباط المكان لديّ بالكتب أحسسنى أننى أخون شيئاً ما بداخلى، لكن بمجرد أن وصلت، واستقبلنى الهدوء، أو بالأحرى النظام، تحطمت كل هواجسى، إذ وجدت نفسى أمام «هارمونى» غير مسبوق بين كل الموجودين من فنانين وصُناع - وصل عددهم لأكثر من 600 - والذين جاءوا من مختلف المحافظات والمدن من أجل هدف واحد، وهو التشبث بالحلم والفن والهوية.

لم أحدد من أين سأبدأ، ومع من سأتكلم أولاً، ورأيت أنه من الأفضل أن أستسلم للموسيقى، فهى خير مرشد، ودليل. وقعت عيناى على فتاة تجلس فى مدخل القاعة، وتنحت فى هدوء وجهاً لرجلٍ يجاورها، هذا الرجل كان أيضاً مُنهمكاً فى رسم وجه نسائى، اقتربت منهما بحذرٍ، لأننى شعرت أننى سأقطع صلاة، وفوجئت أن هذه الفتاة هى النحاتة مى عبدالله، التى كانت أعمالها حديث السوشيال ميديا فى الفترة الماضية، وذلك لشدة براعتها وجمالها، فبعد أن يأس الناس من التماثيل القبيحة التى انتشرت فى الميادين، بحثوا عن نماذج فنية تستحق أن تظهر للنور، فكانت تماثيل مى فى الصادرة.

وجود فنانة موهوبة فى مقتبل عمرها، فى معرض هدفه الأساسى الحفاظ على التراث، كان علامة مُبشرة بالنسبة لى. مى أيضاً قالت إنها لم تصدق نفسها حين دعاها جهاز تنمية المشروعات المتوسطة والصغيرة، خصوصاً أنها تعيش فى المنيا، وهذا يعنى أن ما يتم ترديده دائماً أن فنان الأقاليم لن يجد أبداً اهتماماً من القاهرة محض وهم، لأن السوشيال ميديا كسرت هذه الحواجز. مى التى تكرس حياتها تماماً للنحت، تجد صعوبة كبيرة وهى تصنع تمثالاً لأحدهم فى الفصل بين روحه وملامحه، فإذا كان يملك مثلاً ملامح جميلة وروحاً شريرة أو عصية، سوف ينعكس ذلك فى العمل رغماً عنها ، لهذا تتجنب الأشخاص الذين لا تحبهم، أو لا ترتاح إليهم، لأن مهمة الفن فى المقام الأول أن يعكس الجمال، لا القبح.

اتفق معها أحمد مجدى، الرسام الذى كان يجاورها، فيقول إنه يبذل مجهوداً فى دراسة نفسية الشخص الذى سيرسمه، إذ يتحدث معه - قبل أى شيء - عن حياته، ومشاعره، فهو لا يرسم -عكس ما هو سائد- ملامح الشخص، إنما حالته. سألته عما بإمكانه أن يفعل إذا كان الشخص الذى سيرسمه لا يستطيع التعبير عن نفسه؟ أجاب أنه فى هذه الحالة يحاول فهمه من لغة الجسد. فسألته: وإذا كان مُحكم الغلق؟ قال: «ليس هناك إذن سوى العينين، فمن خلالهما نستطيع أن ننفذ إلى روح الشخص».

الطاقة التى منحانى إياها كانت كافية لأن تفتح كل مسامى، وبدأت التجول بحثاً عن أصحاب الحرف اليدوية والتراثية التى تكاد أن تنقرض. ومن حسن حظى أننى وجدت بسهولة رجلاً يعمل فى أكثر الحرف المُحببة لقلبى، وهى حرفة صناعة الحصير، فلم يكن هناك بيت قديم سواء فى الريف أو المدن يخلو من الحصير. اسمه محمد فوزى، يبلغ من العمر خمسين عاماً. وكان الوحيد فى المعرض الذى يجلس مقرفصاً أمام «نول» ويقوم بغزل حصيرة مُعلقة، أو «تابلو» كما يُسميها. أخبرنى أنه الوحيد أيضاً فى مصر الذى يصنع هذا النوع من الحصير.

جاءت الفكرة له حين قرر فى تسعينيات القرن الماضى أن يسافر إلى الأردن، بحثاً عن عمل، لأن الحرفة التى ورثها أباً عن جد، كانت قد انقرضت بعد ظهور الحصير البلاستيك والكليم والسجاد، وفى عام 1999 أثناء زيارته للساحة الهاشمية فى عمان، التقى بعدد من المفتونين بالمشغولات اليدوية، وهناك فكر فيما يمكن أن يفعله ليُحيى شغفه من جديد، فسأل نفسه : ما الذى يضر لو حوّلت الحصير إلى قطعة فنية؟ وفجأة، قرر العودة إلى مصر، وإلى مدينته دمنهور، وبدأ العمل على استحياء، وصنع أول حصيرة تابلو مكتوب عليها «لا إله إلا الله»، وحين عرف جيرانه وأقاربه بالأمر، بدأوا يطلبون منه كتابة آيات بعينها، ومع السنوات ذاع صيته.

كان محمد فوزى يُعلق خلفه - فى المعرض - نماذج من أعماله، والتى بدت لافتة للأنظار، إلى الحد الذى كان يتوقف فيه كل دقيقة ليرد على تساؤلات المشترين. يقول: «لا أصدق أننى وصلت إلى هذه المرحلة العالية من الحرفية، لأننى بدأت من الصفر، أو تحته بقليل، فقد صممت فى البداية نولاً خاصاً ليساعدنى على تنفيذ ما أريد، ثم طورت من استخدام الخامات، فأدخلت مثلاً الصوف لأكتب به بدلاً من الخوص الملوّن، وفى عام 2009 اقترح علىّ أحد الأصدقاء أن أذهب بأعمالى إلى الأسر المنتجة، ومن هنا كانت الانطلاقة فبدأت أشارك فى معارض داخل مصر وخارجها، وزاد هذا من مهاراتى».

«هل ترى نفسك فناناً أم صنايعياً؟» سألته، فأجاب بحسم: «بالطبع فنان، لأننى لم أفعل كل هذا إلا بتحريض من خيالى». لكن عم حنفى محمود الذى كان ينصت إلينا، بحكم قربه منا، يرى نفسه صنايعياً من الدرجة الأولى، فهو من أقدم العاملين فى حرفة الخيامية، ورغم أننى وجدت عنده أعمالاً مبهرة وليست مجرد خيامية عادية، كمُعلقة العشاء الأخير للسيد المسيح عليه السلام، ومُعلقات أخرى تحاكى الطبيعة باستخدام موتيفات من ابتكاره الشخصى، إلا أنه لا يريد التخلى عن هذا اللقب، لأنه الأقرب فى التوصيف لما قام به، فكل ما فعله أنه جدد مع عدد من زملائه فى الحرفة حتى لا تنقرض».

هناك شيء لا تخطئه العين فى معرض «تراثنا»، وهو الشغف الذى يُهيمن على أصحاب الحرف، فجميعهم أفنوا حياتهم فى صناعة الأشياء التى يحبونها، متجاهلين أى إحباطات أو ظروف صعبة، فبجانب أن هذه الحرف هى مصدر رزقهم الوحيد، إلا أنهم أيضاً من خلالها يحققون ذواتهم ويشعرون أن لوجودهم معنى. لقد سمعت مثلاً صخباً صادراً من أحد الأركان، فتتبعت الصوت، لأجد عجوزاً جالساً أمام عرض للمشغولات النحاسية ويقوم بالنقش على قطعة نحاس بأقصى ما عنده ما قوة. فشعرت لوهلة أننى فى إحدى ورش شارع المعز، وأحببت فكرة أن ترى بنفسك المراحل التى يمر بها المنتج.

كان العجوز الذى يُدعى محمود السيد يمسك بيد شاكوش حديدى وبالأخرى مسمار غليظ، لا ينتبه لوجود أحد من حوله، كأنه يجلس وحده فى غرفة مغلقة. لا أعرف لماذا تعاطفت معه، ربما لأن صوت الدق كان لا يُحتمل، وخمنت أنه قد ينتابه لحظات جنون أو انهيار، لكنه قال: «أبداً، لم أشعر بذلك يوماً، إننى حين أبدأ فى الدق، أو النقش، أشعر أننى أعزف على آلة موسيقية، فأنعزل تماماً عن الوجود، أما إذا توقفت عن العمل، وبدأ آخر بالدق أمامى، أشعر برغبة فى القفز من طابق علوى».

كلامه هذا جعلنى أطلب منه أن يفتح لى كفيه، لأرى آثار النقش، أو العزف. اليد التى يمسك به الشاكوش تبدو عليها الغلظة، لأنه يبذل بها المجهود الأكبر، حتى أنه يعتمد عليها إذا اضطره الأمر للدخول فى مشاجرة، فالصفعة منها بألف صفعة من يد عادية، أما يده التى يمسك بها المسمار فهى الأحن، لأن عقلات أصابعه نُحلت تماماً، وهى اليد التى يربت بها على أحبابه.

شىء آخر لا تخطئه العين فى المعرض، وهو الحضور الطاغى للنساء، اللاتى استطعن أن يمتلكن مشاريعهن الخاصة، بل ويبتكرن منتجات لا تخطر على البال، فبعيداً عن أن كل صانع يخرج كل ما لديه من موهبة فى عمله، إلا أن النساء كن الأكثر تألقاً والأكثر إدراكاً لمفهوم الهوية والحفاظ على التراث، ولقد لمست ذلك أكثر عند النساء القادمات من محافظات بعيدة، أدهشتنى مثلاً امرأة سيناوية، تقف بكل شموخ وسط منتجاتها بزيها التقليدى. حين اقتربت منها، اتسعت عيناها الجريئتان، والمفعمتان بالحياة، فأدركت سريعاً أن ورائها حكاية طويلة.

اسمها زينب العبادى، تنتمى لإحدى القبائل العريقة فى سيناء، وكأى امرأة هناك، عانت من العادات والتقاليد التى ظلت تقيدها وتعرقل رغباتها وأحلامها، إذ خاضت معارك كثيرة مع قبيلتها لتقنعهم فى البدء باستكمال تعليمها، ثم لتقنعهم بعدم رغبتها فى الزواج من ابن عمها الذى لا تحبه، حيث أتت بعدد من رجال الدين وأجلستهم مع رجال قبيلتها وعلى رأسهم والدها، كى يشرحون لهم أن إرغام المرأة على الزواج من رجل بعينه حرام، وبالفعل انتصرت، بل وكانت السبب فى أن قبيلتها تخرج عن عادة زواج الفتاة من ابن عمها. ومع الوقت شعرت أنه يجب أن يكون لها دور وقيمة فى مجتمعها، فجاءت لها فكرة تطوير المشغولات السيناوية من صناعة الحلى والكليم والستائر.

تحكي : «كان هذا التحدى الأكبر فى حياتى كلها؛ أن أدخل إلى البيوت، وأعلم النساء، لأن الرجال لا يسمحون كما تعرفين بخروج المرأة، فكنت أقسم وقتى بالتساوى، وأذهب بالخامات إلى كل واحدة، وأعلمها كيف تستغل كل الألوان، بدلاً من استخدام ثلاثة ألوان فقط وهى الأحمر والأزرق والأخضر، وذلك دون أن نخل باللمسة السيناوية، وبالفعل استطعتُ بعد عدة سنوات أن أكوّن ما يُشبه بالجمعية، وننتج الكثير من المشغولات التى نجحنا فى تصديرها، وهو ما جعلنى أقرر قبل خمس سنوات أن أنتقل للعيش فى القاهرة، كى أتوسع أكثر، وأنقل خبراتى لأكبر عدد ممكن، ولولا أننى لست متزوجة حتى الآن، وأن إخوتى يثقون بى، ما كنت سأصل إلى هنا».

فى رأيى، تعد زينب العبادى واحدة من المُلهمات اللاتى نفتقد إليهن، واللاتى يجب أن يتصدرن المشهد بدلاً من النماذج الزائفة والمُدعية. كما كان هناك أيضاً عدد كبير من البدويات القادمات من الوادى الجديد، واللاتى يعملن فى صناعة الخوص، أما الحرفة التى كنت أبحث عنها بالتحديد، هى «التلى» التى اشتهرت بها نساء محافظة أسيوط، عبارة عن ثوب تول مُطرز بخيوط من الذهب والفضة أو ما شابههما من معادن، وقد لفتت بعض الإعلاميات والفنانات الانتباه لهذه الصناعة مؤخراً بارتدائهن لأثواب التلى. لكن الفضل كله يعود للفنان التشكيلى سعد زغلول، الذى أنشأ عام 1994 بيت التلى، والذى استطعنا من خلاله الحفاظ على واحد من الفنون الشعبية اليدوية ذات المهارة العالية، والتى تناسب الماضى والحاضر والمستقبل، وذلك دون المساس بأصولها الموروثة.

لا أعرف إذا كان مقصوداً أن يكون أيضاً حضور النساء طاغياً فى جناح السودان، ضيف شرف المعرض، لكن الأكيد أنهن خلقن حالة من الألفة، بروائحهن المميزة، وبمنتجاتهن المغايرة، التى لا تشعر تجاهها بالغرابة أو النفور، لأن تاريخها وتراثها مرتبط بشكل أصيل بتاريخنا وتراثنا، لهذا لم تجدن السودانيات أى صعوبة فى التعامل مع الجمهور المصرى، سواء فى شرح المنتج لهم، أو فى اقناعهم بها.

من بين هذه المنتجات فساتين الدمور المُطرزة، والدمور نوع من القماش المنسوج من خيوط القطن، خشن الملمس، ولونه أبيض محمر، والذى كان ولا يزال يستخدمه المصريون فى التنجيد، لكن مصممة الفساتين هبة البشير، أخبرتنى أن للدمور فى السودان استخداماً آخر، والذى حاولت تغييره خلال العشر سنوات الماضية، إذ كانت السودانيات ترتدين فى أيام الحداد على الزوج ثوباً غير مُطرز من الدمور فتبدو كما لو أنها ترتدى جوالاً، وهذه العادة جعلته يرتبط فى الأذهان بالحزن، رغم أن الدمور كخامة مُبهج ومُريح.

لم تخش هبة حين بدأت فى مشروعها من الانتقادات التى قد تتعرض لها، لأن جدتها علمتها فى طفولتها أن الناس لن يؤمنون بها إذا لم تؤمن هى بنفسها، كما أنها شعرت أن سحراً يحركها تجاه الدمور، فصنعت أولاً فساتين لنفسها، وكانت بالطبع تثير اندهاش كل من يراها، خصوصاً حين تحضر بها مناسبة سعيدة، حتى بدأت الفتيات يطلبن منها تصاميم، ومن واحدة لأخرى، انتشرت الفكرة، وصار لديها أكبر «براند» لصناعة فساتين الدمور فى السودان.

كانت تجاور هبة مجموعة من الفنانات اللاتى يصممن منتجات منزلية، حيث يقمن بإعادة استخدام الأشياء القديمة، والتى لم تعد صالحة أو لافتة للانتباه، ويقمن بالرسم عليها، وتحويلها إلى أباجورات أو ديكورات أو لوحات تنقل مشهداً من البيئة السودانية، واحدة فقط التى كانت تعرض الحلى المصنوعة من الأحجار الكريمة، فكانت الطاولة أمامها أشبه بكرنفال من الألوان، تُدعى دار السلام، والتى تشعر أنها أقرب فى ملامحها وطريقتها وكلامها إلى العرافات، فهى تصنع الحلى كالعقود والأسوار بعدد قبائل السودان، فمن خلال الألوان ونوع الأحجار التى ترتديها المرأة تستطيع أن تعرف بسهولة القبيلة التى تنتمى إليها.

لقد ساهمت دار السلام من خلال هذه الحلى فى حل الكثير من الخلافات والمناوشات بين القبائل، عبر صناعتها لمنتجات خاصة تخلط فيها كل الأحجار، حتى ترتديها أى امرأة، ولا يستطيع أحد أن يميز قبيلتها. إنها بهذه الحيلة التى لا تخطر على بال أكبر الساسة استطاعت أن توحد بين عدد هائل من السودانيين. إنها أيضاً تزيل الخلاف بين الأحبة، وذلك من خلال الأحجار التى تزيد من توهج الحب. كما أنها تأخذ فى عين الاعتبار أن لكل شخص، حسب برجه، واليوم الذى ولد فيه، حجراً خاصاً يجب أن يرتديه دوناً عن بقية الأحجار حتى يجلب له الحظ، والخير، لأنه فى حال ارتدائه للحجر الخطأ قد يدخل فى مشكلات جمة، أبسطها شعوره الدائم بالطاقة السلبية.

خلال جولتى بين الصُناع، وحديثى معهم، كنت أطرح سؤالاً رئيسياً، وهو: هل الحفاظ على التراث مهمة أصحاب الحرف أم الدولة؟ كان جميعهم، بمختلف الأعمار والثقافات، يصمتون قليلاً، ثم يقولون إنها مهمتنا فى المقام الأول فلولا الحلم الذى ولد فجأة بداخلنا، ما كُنا فعلنا شيء ذو قيمة، فكل ما نصنعه يأخذ من أرواحنا، حتى أننا ندخل فى نوبات بكاء وحزن، وأحياناً كثيرة غيرة، على الأشياء التى عكفنا على صناعتها فى أيام طويلة، ثم يأتى أحد ويأخذها منك بسهولة، حتى لو سيدفع فى المقابل آلاف الجنيهات، إن الأمر أشبه بشعور الأب أو الأم الذى يدفع عمره كله على أبنائه، ثم يتركوه، ويذهبوا ليتزوجوا فى نهاية المطاف.

  1. الاخبار
  2. اخبار ترفيه فن والمشاهير