أرمينيا وأذربيجان.. هل سنرى حربا روسية تركية في القوقاز؟

٣ ايام مضت ٢٥
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

كما هي العادة في مثل هذه المواقف، يظل السؤال حول مَن أطلق الرصاصة الأولى سؤالا عبثيا ربما يبقى بلا جواب للأبد، لكن ما يعرفه الجميع الآن هو أن العالم استيقظ صبيحة يوم 27 سبتمبر/أيلول المنصرم على دَوِيّ جولة جديدة من المواجهات في أحد أكثر صراعات العالم التهابا: صراع أرمينيا وأذربيجان حول إقليم ناغورنو كاراباخ، مع اتهامات متبادلة بخرق وقف إطلاق النار، وحشود عسكرية متقابلة على جانبَيْ الحدود، وإعلان ثنائي للأحكام العُرفية والتعبئة العامة، ومئات القتلى من كلا الطرفين حتى الآن، في مشهد بدا معه الأمر خارجا عن السيطرة.

لا يُعَدُّ القتال بين أرمينيا وأذربيجان أمرا غير معتاد، فعلى مدار ثلاثة عقود تقريبا منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين البلدين عام 1994؛ شهدت الحدود المضطربة بينهما عشرات من جولات الاشتباك التي غالبا ما كانت تنتهي بالعودة إلى الاتفاق الهش ذاته، لكن ما حدث في الجولة قبل الأخيرة من المواجهات بين الطرفين، في يوليو/تموز الماضي، كان مختلفا إلى حدٍّ كبير، واعتبره كثيرون بمنزلة جرس إنذار أن الصراع المُجمَّد والمُتجدِّد في الوقت ذاته ربما يكون في طريقه للتمدُّد واكتساب أبعاد جديدة أكثر خطورة.

وكما هو مُتوقَّع أيضا، تبادل الطرفان الاتهامات حول مَن بدأ بإطلاق النار في 12 يوليو/تموز، لكنهما اتفقا على أن جندييْن أذرييْن كانا يستقلان سيارة جيب على طول الحدود بين البلدين، وبينما زعمت أرمينيا أن قواتها حذَّرت الجندييْن وطالبتهما بالانسحاب، وأن أذربيجان هي مَن ردَّت على هذه النداءات السلمية بقصف مدفعي، ردَّت باكو بأن الأرمينيين هم مَن بدؤوا بقصف استفزازي، وكانت المحصلة النهائية لهذه الجولة التصعيدية مقتل 15 جنديا أذريا بينهم جنرال إضافة إلى مدني واحد في مقاطعة توفوز في أذربيجان، فيما لقي أربعة جنود ومدني مصرعهم على الجانب الآخر من الحدود في مقاطعة تافوش الأرمينية.

فرق البحث والإنقاذ تعمل في موقع الانفجار الذي أصيب بصاروخ أثناء القتال الدائر حول منطقة ناغورنو كاراباخ

كان أكثر ما أثار الانتباه في تلك الجولة هو أنها وقعت بعيدا عن مناطق الاشتباك التقليدية في إقليم كاراباخ والمناطق السبع المحيطة به، والمُعترَف بها دوليا كونها جزءا من أذربيجان رغم خضوعها للاحتلال الأرميني، وفيما يبدو، فإن منطقة توفوز التي وقعت فيها هذه المواجهات كانت أحد آخر الأماكن التي ترغب باكو في رؤية قتال فيها، نظرا لأنها تقع في مفترق طرق حيوي بالنسبة لخطوط نقل الطاقة الإستراتيجية في البلاد، وعلى رأسها خط أنابيب النفط (باكو – تبليسي – جيهان) الذي ينقل النفط الأذري إلى موانئ البحر المتوسط والبحر الأسود، وخط أنابيب غاز جنوب القوقاز المُقرَّر أن يبدأ قريبا في ضخ الغاز الأذري إلى جنوب أوروبا، والطريق السريع بين أذربيجان وجورجيا وهو جزء من طريق حيوي عملاق يمتد من سواحل فرنسا الأطلسية إلى حدود الصين، وخط سكة حديد (باكو – تبليسي – كارس) الذي يُوفِّر ربطا إستراتيجيا مماثلا، وكذا كابلات الألياف الضوئية التي تربط أوروبا بآسيا الوسطى.

لا تُعَدُّ هذه البنية التحتية مهمة بالنسبة لأذربيجان وحسب، ولكنها مهمة بالقدر نفسه لتركيا، ولها أهمية إستراتيجية للولايات المتحدة وحلف الناتو وأوروبا، نظرا لدورها المُحتمَل في تقليل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي، وعملها بوصفها قناة مهمة لنقل المعدات اللوجستية الأميركية لأفغانستان، وبالتبعية فإنها تُؤثِّر بشكل غير مباشر على روسيا وهيمنتها الافتراضية في منطقة القوقاز، مما كان يعني وقتها أن الصراع بين أرمينيا وأذربيجان بات مُهدَّدا بالتوسُّع والتحوُّل إلى صراع إقليمي وربما عالمي، تنخرط فيه العديد من القوى سعيا وراء مصالحها الخاصة، وهو ما حدث بالفعل بعدها بأشهر قليلة.

إذن كان اندلاع الصراع مجددا مجرد مسألة وقت لا أكثر، ورغم أن القتال بدأ بشكل تقليدي في كاراباخ والمناطق المحيطة بها، فشلت الجهود التقليدية في إعادة تثبيت وقف إطلاق النار، في وقت بدت أطراف النزاع فيه جاهزة للتعامل بشكل مختلف هذه المرة، فمن جانبها، أعلنت أذربيجان أنها ستواصل القتال حتى تحرير أراضيها المحتلة من قِبَل أرمينيا، في حين هدَّدت أرمينيا بتصعيد الصراع عبر الاعتراف بجمهورية أرتساخ المزعومة التي أعلنها الأرمن من طرف واحد في كاراباخ ولم تحظَ بأي اعتراف دولي، وشرع كلا الطرفين في حشد حلفائه استعدادا لجولة مختلفة كليا من الحرب الملتهبة التي أشعلت القوقاز بلا هوادة حتى اللحظة.

رغم أن التوترات والاشتباكات حول كاراباخ باتت أمرا معتادا خلال الثلاثين عاما الماضية، تكتسب الحلقة الحالية من الصراع في الإقليم أهمية خاصة نظرا للتوسُّع المطَّرد للقتال، والعدد المتزايد من الضحايا والاستهداف الموسَّع للمدنيين، والتصلُّب الشديد في المواقف بين الطرفين، فضلا عن التدخُّلات الأجنبية المُكثَّفة، وكلها عوامل تجعل القتال الحالي مُرشَّحا لجلب وقائع جديدة للصراع.

لطالما أكسب الموقع الجغرافي لتلك البقعة الصغيرة من الأرض "ناغورنو كاراباخ" أهمية جيوسياسية تفوق حجمها بكثير، حيث شهدت المنطقة على مدار آلاف السنين جولات من القتال بين الإمبراطوريات الكبرى خاصة روسيا وتركيا وإيران، غير أن جذور الخلاف الحالي تعود لأوائل القرن العشرين إبان حكم السوفييت، حين قرَّر جوزيف ستالين إنشاء منطقة حكم ذاتي أرمينية في كاراباخ داخل حدود جمهورية أذربيجان السوفيتية، وقام بتوطين الآلاف من الأرمن في هذه المنطقة، واضعا بذلك بذور صراع دموي سرعان ما تفجَّر في أواخر الثمانينيات، حين بدأ الوهن يدبُّ في جسد إمبراطورية الرجل الأحمر المريض "الاتحاد السوفيتي".

بدأت التوترات تشق طريقها إلى الجيب الجبلي عام 1988 حين انتفض الأرمن مطالبين بالاستقلال عن أذربيجان والاتحاد مع أرمينيا، ما تسبَّب في نشوب حرب دامية راح ضحيتها أكثر من 30 ألف شخص، وتمكَّن الأرمن خلالها، بدعم صريح من روسيا، من الاستيلاء على قرابة 20% من أراضي أذربيجان بما يشمل إقليم كاراباخ والعديد من المدن الأذرية الأخرى، وارتكبوا مذابح دامية بحق الأذريين، وتسبَّبوا في نزوح أكثر من مليون شخص من مواطني أذربيجان عن أراضيهم.

بعد أكثر من ستة أعوام من جولات القتال الدامي وقَّع الطرفان أخيرا إعلان وقف إطلاق النار بالعاصمة القرغيزية "بشكيك" في مايو/أيار عام 1994، لكن هذا الاتفاق ظلَّ حبرا على ورق، وفشل في منع نشوب جولات متعددة ومتفاوتة الشدة من القتال على الحدود بين البلدين بسبب إخفاقه في معالجة السبب الأساسي لنشوب النزاع من البداية، وهو وجود منطقة تحت السيطرة الأرمينية في قلب أراضي أذربيجان تعتبرها باكو أرضا محتلة بشكل غير قانوني.

فشلت الأُطر والهيئات الدولية التي استُحْدِثت لحل الصراع، وعلى رأسها "مجموعة مينسك" التي تتناوب على رئاستها كلٌّ من روسيا وفرنسا والولايات المتحدة، في الوصول إلى حلول حقيقية لإنهائه، واقتصر دورها على محاولة احتواء الخسائر والتوسُّط لإعادة الطرفين لوقف إطلاق النار عقب كل جولة دامية من الخروقات، ما منح الفرصة لظهور المزيد من العوامل الداخلية والخارجية التي أسهمت في تغذية الصراع وتعقيده.

فعلى المستوى الداخلي أدَّت الثورة التي شهدتها أرمينيا عام 2018 -وعارضتها موسكو بشدة- إلى ظهور طبقة قيادية جديدة أكثر تشكُّكا في التزام الكرملين تجاه بلادها، ما دفعها لاتخاذ مواقف أكثر تشدُّدا وعسكرة، وجعلها تنظر بريبة للجهود التفاوضية وخرق اتفاقات وقف إطلاق النار مرة بعد مرة. وعلى الجانب الآخر تُكافِح باكو في مواجهة أزمتها الاقتصادية الخاصة على خلفية تداعيات فيروس كورونا وتأثيره على مبيعات وأسعار النفط والغاز، المصدر الرئيس للدخل في البلاد، ما جعل حشد الناس حول قضية قومية ومحاولة تحقيق بعض المكاسب العسكرية واستعادة مساحات من الأراضي المحتلة قبل العودة لطاولة المفاوضات من موقع قوة؛ جعل كل ذلك فكرة لا يمكن مقاومة جاذبيتها.

على المستوى الخارجي كان واضحا أن جولات القتال الأخيرة حوَّلت المواجهة في كاراباخ من مجرد قضية ثنائية إلى صراع إقليمي مُوسَّع تنخرط فيه العديد من القوى، ولا يعود ذلك فقط إلى المنافسات الجيوسياسية التاريخية في المنطقة، وإنما للأهمية الجيواقتصادية المتزايدة التي اكتسبها إقليم كاراباخ كونه مفترقَ طرق للعديد من خطوط أنابيب النفط والغاز وخطوط السكك الحديدية الأذرية التي شيَّدتها الدولة خلال العقدين الماضيين لنقل مصادر طاقتها عبر بحر قزوين للأسواق الدولية التفافا على خطوط الأنابيب والطرق الروسية، ولما كانت معظم هذه المشروعات تمر عبر مناطق قريبة من البقاع الساخنة في إقليم كاراباخ وحوله، فإن الحكومات الأذرية أصبحت أكثر حساسية للتوترات في المنطقة، فضلا عن كون هذه المشروعات والمصالح الطاقوية قد جلبت العديد من القوى الإقليمية إلى ساحة الصراع، وفي مقدمتها روسيا الفاعل الأبرز في منطقة القوقاز، وتركيا التي تُعَدُّ اليوم البوابة الأبرز لصادرات الطاقة الأذرية إلى العالم بعيدا عن روسيا.

لطالما اعتبرت روسيا منطقة القوقاز عمقا إستراتيجيا خاصا بها، فمن الناحية الجيوسياسية كانت الهيمنة على القوقاز هي الطريقة المثالية لموسكو للسيطرة على أوراسيا وقلب العالم، وهو ما دفع السوفييت لاحتلال المنطقة بما في ذلك الأجزاء الأوراسية (الأذرية) في شمال إيران خلال الحرب العالمية الثانية، والتمسُّك بالسيطرة على أذربيجان حتى في أعقاب التنازل عن الشمال الإيراني.

غير أن هذه الهيمنة السوفيتية على أوراسيا تعرَّضت لضربة كبيرة مع سقوط الاتحاد، وفقدان موسكو لسيطرتها على الجزء الجنوبي من القوقاز، ورغم أن روسيا، الوريث الشرعي للإمبراطورية السوفيتية، ظلَّت تسيطر بحكم الواقع على الشق الشمالي، فإن شمال القوقاز يظل منطقة متمردة بطبعه بسبب نفوذ الحركات الإسلامية الراديكالية، وهو ما سبَّب مشكلات لموسكو ودفعها لقمع تلك الحركات بلا رحمة في أماكن مثل داغستان والشيشان، لتبقى إستراتيجية موسكو في القوقاز قائمة على الحفاظ على الشمال في قبضتها، مع السعي إلى خَلْق نوع من توازن القوى الذي يضمن مصالحها في الجنوب.

ومن أجل الحفاظ على هذا التوازن، أقدمت روسيا على التدخُّل عسكريا في المنطقة في أكثر من مناسبة أبرزها عام 2008 حين قامت بغزو جورجيا لإيقاف مسيرة تحوُّلها نحو الغرب، والحفاظ على جنوب القوقاز بوصفها منطقة خالصة للنفوذ الروسي، هو ما يُفسِّر أيضا حرص موسكو على إقامة علاقات وثيقة مع كلٍّ من أرمينيا وأذربيجان منذ نهاية الحرب بينهما عام 1994، وقيام موسكو بتوريد الأسلحة إلى طرفَيْ الصراع.

لكن التوازن الروسي تطلَّب أيضا إعطاء مزايا تفضيلية إلى أرمينيا المسيحية في مواجهة أذربيجان المسلمة الشيعية المرتبطة بجذور عِرقية وثيقة مع تركيا وبنسبة أقل مع إيران، ففي الوقت الذي سحبت فيه موسكو معظم قواتها من المنطقة أعقاب انهيار الاتحاد السوفيتي، فإنها أبقت على الجزء الأكبر من قواتها في أرمينيا في قاعدتها العسكرية في "غيومري" التي تستضيف أكثر من 3000 جندي روسي، وقامت بدمج العاصمة الأرمينية "يريفان" في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO)، المعادل الروسي لحلف الناتو، لتصبح الدولة الوحيدة في جنوب القوقاز المُتمتِّعة بعضوية المنظمة الأمنية الروسية.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأرميني سيرج سركسيان (C-R) يزوران القاعدة العسكرية الروسية 102 للمنطقة العسكرية الجنوبية في كيومري، أرمينيا، 2013

قامت موسكو في وقت لاحق بإنشاء قاعدة جوية جديدة بالقُرب من يريفان، وكثَّفت جهودها من أجل دمج القوات المسلحة الأرمينية في هيكل منطقتها العسكرية الجنوبية عبر تشكيل قوات برية روسية أرمينية مشتركة، وقامت عام 2010 بنشر منظومات أسلحة هجومية ودفاعية مثل طائرات "ميج – 29" ونظام الدفاع الصاروخي "إس – 300" ونظام الدفاعات متوسطة المدى "إس إي – 6″، وحتى قاذفات الصواريخ المتعددة من طراز "تورنادو – جي" والصواريخ الباليستية قصيرة المدى من طراز "إس إس-26 إسكندر إم"، قبل أن يُتوِّج البلدان تعاونهما العسكري بتوقيع اتفاق دفاع جوي مشترك عام 2015 فتح الباب أمام روسيا لإدارة الأصول الجوية في أرمينيا وتشغيلها في أوقات الضرورة.

رفقة ذلك منحت روسيا الحكومات الأرمينية معاملة تفضيلية في مبيعات الأسلحة مقارنة بجميع جيرانها القوقازيين، فبخلاف منحها وصولا سهلا لقائمة متنوعة من الأسلحة المتقدمة مثل أنظمة الصواريخ المتطورة التي لا تسمح موسكو بتصديرها لجيران آخرين؛ يُمنَح الأرمن تسهيلات كبيرة في شراء الأسلحة الروسية بما في ذلك منحهم بعض الأسلحة بشكل مجاني تماما، وإبرام صفقات بيع السلاح بالأسعار المحلية الروسية، وتمويل عقود الأسلحة عبر قروض داخلية تتحمَّلها البنوك الروسية بالعُملة المحلية، على النقيض من أذربيجان التي تشتري الأسلحة الروسية بالعُملة الصعبة وبالأسعار الدولية المرتفعة التي تفرضها بيروقراطيات صناعة السلاح في موسكو، وتُحرَم من قائمة طويلة من متطلباتها العسكرية، رغم أنها حصلت على ثُلثَيْ وارداتها العسكرية من الروس بين عامَيْ 2013-2017.

نتيجة لكل ذلك شرعت أذربيجان في التحوُّل إلى مُصدِّري أسلحة آخرين مثل إسرائيل وتركيا للحصول على احتياجاتها الخاصة من الأنظمة المتطورة، لكن باكو ظلَّت حريصة رغم ذلك على الحفاظ على علاقتها مع موسكو وتجنُّب توجيه انتقادات صريحة للروس، إلا أن هذه السياسة تغيَّرت بشكل ملحوظ بعد اشتباكات يوليو/تموز الماضي، والمناورات القتالية المفاجئة التي أجرتها روسيا وأرمينيا والتعزيزات العسكرية الضخمة التي أرسلتها موسكو إلى يريفان (400 طن من المعدات العسكرية) بالتزامن مع تلك الجولة من التصعيد، حيث وجَّه رئيس أذربيجان "إلهام علييف" انتقادا غير مسبوق للرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلا إن الدعم الروسي لأرمينيا يُثير مخاوفَ وشكوكا في المجتمع الأذري، وهو ما دفع بوتين لإيفاد وزير دفاعه سيرغي شويغو إلى باكو ليؤكد أن الرحلات الجوية بين موسكو ويريفان لم تكن ذات طبيعة عسكرية، غير أن هذا التفسير لم يُفلِح في إقناع أذربيجان التي قرَّرت الانسحاب من مناورات "القوقاز – 2020" التي قادتها روسيا مطلع سبتمبر/أيلول الماضي احتجاجا واضحا على نهج الكرملين.

كان من الواضح أن أذربيجان تتلقَّى دعما خاصا وسريعا من قِبَل تركيا في هذه الأزمة، حيث أكَّد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أن أنقرة لن تتردَّد أبدا في الوقوف ضد أي هجوم على حقوق أذربيجان وأراضيها التي تربطها بها علاقات ودية وعلاقات أخوية عميقة الجذور، حد تعبيره، ويبدو أن موقف أذربيجان الصارم رفقة التقارب الحاد بين أنقرة وباكو قد أقنعا روسيا بإعادة النظر في موقعها التقليدي من الصراع خلال الأزمة الأخيرة، وبدلا من إبداء الدعم لأرمينيا كما هو معتاد؛ أظهرت موسكو حيادا نسبيا داعية لضبط النفس، وتوسَّطت في وقف لإطلاق النار لم يكن قادرا على الصمود لأكثر من ساعات معدودة قبل خرقه، وتجاهلت دعوات أرمينيا لتقديم دعم نشط لها في الصراع، مستفيدة من حقيقة أن القتال في كاراباخ والمناطق المحتلة غير مشمول بمظلة الدفاع المشترك التي تُقدِّمها عضوية منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف (يمينا) يصافح وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو خلال اجتماع في باكو، أذربيجان

رغم أن روسيا تظل هي الوسيط الأهم في الصراع الدائر كما في جميع الصراعات في منطقة القوقاز، فإن هناك قوة أخرى لها روابط تاريخية بالمنطقة تسعى اليوم بدورها لتشكيل نتيجة الصراع وهي تركيا، ولكن على العكس من موسكو التي أظهرت انحيازا تاريخيا واضحا للأرمن، تدعم تركيا أذربيجان علنا منذ التسعينيات، رغم أن أنقرة لم تُغامر بإلقاء ثقلها السياسي والعسكري بقوة إلى جانب الأذريين إلا في الأشهر القليلة الماضية، تزامنا مع المشاركة النشطة للأتراك في الصراعات الإقليمية بداية من سوريا وليبيا، وصولا إلى شرق المتوسط، وليس انتهاء بأوكرانيا.

ترتبط تركيا مع أذربيجان بروابط ثقافية وعِرقية وثيقة، وغالبا ما يُشِيد المُعلِّقون في الدولتين التركيتين عِرقيا بهذه الروابط مُردِّدين شعار "أمة واحدة ودولتان"، وعلى النقيض، يبدو تاريخ العلاقات بين تركيا وأرمينيا مُلبَّدا بالكثير من الخلافات العِرقية والسياسية، وهي خلافات تعود جذورها إلى العقود الأولى من القرن العشرين إبان الحرب العالمية الأولى حين وقَّع الحلفاء على معاهدة سيفر (1920) التي نصَّت على تصفية الدولة العثمانية وتقاسم أراضيها، ووفقا لتلك المعاهدة، كان من المفترض أن تُوضَع الأجزاء الشمالية الشرقية من تركيا الحديثة تحت سيطرة أرمينيا، وهو ما كان كفيلا بمنح يريفان رقعة جغرافية تبلغ مساحتها 5 أضعاف مساحة البلاد الحالية، لكن معاهدة سيفر لم تدخل حيز التنفيذ، وسرعان ما استُبدلت بمعاهدة لوزان التي بموجبها اعتُرِف رسميا بالحدود الدولية لتركيا الحديثة.

تُلقي هذه الخلفيات العِرقية والتاريخية والجيوسياسية بظلالها على نظرة أنقرة لصراع جنوب القوقاز، وتُعَدُّ هي حجر الزاوية في الروابط التركية الأذرية. ورغم ذلك، فإن هناك مصالح مشتركة وتهديدات أمنية حالية أيضا تقود الشعبين لبناء تحالف أمني إستراتيجي قوي، ففي الوقت الذي توجد فيه الحدود الشمالية الشرقية لتركيا في جنوب القوقاز بمحاذاة جورجيا وأرمينيا، فإن أنقرة تشارك باكو المخاوف ذاتها بشأن وجود روسيا المتوسع في المنطقة، خاصة في القاعدة العسكرية بـ "غيومري" الواقعة على بُعد 10 كيلومترات فقط من الحدود التركية، والتي تخدم -من بين أمور أخرى- هدف روسيا في ممارسة الضغط على تركيا من حدودها الشرقية، فضلا عن مخاوف أنقرة من تزايد نفوذ الأكراد في بلدان جنوب القوقاز خلال العقدين الماضيين، ومن هذه الزاوية تحديدا ترى تركيا الصراع في كاراباخ والدعم الروسي لأرمينيا على أنه أداة سياسية لمحاصرتها أيضا بجانب أذربيجان.

اجتماع وزراء خارجية روسيا وأذربيجان وأرمينيا في موسكو، روسيا

نتيجة لذلك حرصت أنقرة على الاستثمار في علاقتها مع باكو وبناء تحالف إستراتيجي يسمح للبلدين بالتصدي للتحديات المشتركة التي تواجههما، حرص ظهر جليًّا مع توقيع اتفاق الشراكة الإستراتيجية والدعم المتبادل (ASPMS) عام 2010، الذي تضمَّن مادة مماثلة للمادة 5 من حلف شمال الأطلسي تُلزِم كلا الطرفين بالتعاون عندما يواجه أيٌّ من البلدين عدوانا من دولة ثالثة أو مجموعة من الدول، فضلا عن كون الاتفاق قد وفَّر أساسا للتعاون العسكري المتنامي، بما في ذلك مبيعات الأسلحة والتدريبات العسكرية المشتركة.

ظهرت آثار هذا الاتفاق بشكل واضح خلال العامين الأخيرين، حيث أجرت أنقرة وباكو 13 تمرينا عسكريا في العام الماضي 2019 (مقارنة بـ 7 تدريبات عام 2018). وفي أعقاب الهجمات العسكرية التي شنَّتها يريفان في يوليو/تموز الماضي على "توفوز" التي تُعَدُّ مفترقا حيويا لطرق النقل وخطوط الأنابيب المهمة الممتدة بين أذربيجان وتركيا، قامت الدولتان بإجراء مناورات عسكرية مُطوَّلة كان من المُقرَّر أن تستمر 13 يوما فقط (29 يوليو/تموز – 10 أغسطس/آب) قبل أن تُمدَّد لفترة مفتوحة، ولكن على نطاق أقل، لأن أنقرة رأت أن تلك الهجمات تستهدف مصالحها بشكل مباشر وأنها لم تكن لتحدث دون مباركة وضوء أخضر من موسكو.

كانت تدريبات هذا العام، وبخلاف كونها الأكبر في تاريخ التعاون العسكري بين باكو وأنقرة، ذات أهمية خاصة، حيث نُقِل خلالها تجربة تركيا في تشغيل الطائرات بدون طيار الهجومية وتوظيفها، وأنظمة الصواريخ متعددة الإطلاق (MLRS) ومنظومات الدفاع الجوي إلى أذربيجان، بخلاف مشاركة مئات العسكريين والعربات المدرعة ومنصات المدفعية ومدافع الهاون ومعدات الطيران في هذه التدريبات المُوسَّعة، وفيما يبدو فإن هذا التعاون العسكري قد تُوِّج في النهاية بصفقة بقيمة 200 مليون دولار لتوريد الطائرات بدون طيار التركية إلى أذربيجان، بجانب صفقات أخرى شملت توريد الصواريخ ومعدات الحرب الإلكترونية، ما يُمهِّد الطريق لأنقرة لاحتلال مكانة روسيا كونها ثاني أكبر مورد للأسلحة إلى أذربيجان بعد إسرائيل.

وبالتزامن مع هذه الشراكة الأمنية والعسكرية المُوسَّعة، وسَّعت أنقرة وباكو أيضا من تعاونهما الاقتصادي، بعدما أصبحت أذربيجان أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى السوق التركي هذا العام، فيما يتَّجه البلدان إلى توسيع حجم التجارة المتبادلة بينهما -يبلغ 4.4 مليار دولار- عبر توقيع اتفاقية للتجارة الحرة، فضلا عن توسيع العمل المشترك بينهما إلى مجالات أخرى مثل الإعلام، وهو ما ظهر في إعلان سبتمبر/أيلول الماضي الذي نص على تشكيل منصة إعلامية مشتركة بين البلدين "بهدف مواجهة التضليل الإعلامي والدعاية السوداء" حد نص الإعلان.

ساهم التنامي الملحوظ في العلاقات الأذرية التركية في إعادة تشكيل مواقف أنقرة تجاه الصراع بين أذربيجان وأرمينيا، ودفعها لاتخاذ مواقف أكثر حسما خاصة مع امتداد القتال للمناطق المحيطة بأنابيب النفط والغاز الحيوية، وبخلاف تقديم الدعم العسكري الصريح، يتبنَّى المسؤولون الأتراك اليوم موقفا مفاده أن انسحاب أرمينيا من المناطق العازلة خارج كاراباخ يُعَدُّ شرطا سابقا لعملية السلام، وربما يكون هذا الموقف التركي الصارم هو المُتغيِّر الأبرز الذي يُغري أذربيجان اليوم بالمُضي قُدُما في العمليات العسكرية بهدف تحرير أكبر جزء من المناطق المحتلة وفرض وقائع جديدة على الأرض، قبل العودة مجددا إلى طاولة المفاوضات.

في ضوء ذلك كله، يبدو أن هناك الكثير من العوامل التي تضافرت لجعل الجولة الحالية من الصراع بين أرمينيا وأذربيجان مختلفة عن سابقاتها، فمن ناحية يبدو أن مساعي روسيا لتغيير إستراتيجيتها في جنوب القوقاز، وتحوُّلها من تقديم الدعم المباشر لأرمينيا إلى السعي لإدارة العلاقات بشكل عملي ومتوازن بين الجانبين وتجنُّبها الانخراط المباشر في الصراع، يبدو أنها مساعٍ منحت الفرصة لأذربيجان -المتفوقة اقتصاديا وعسكريا- لتعزيز موقفها في ساحة المعركة وانتزاع أكبر قدر ممكن من الأراضي المحتلة في الوقت الذي الذي تتمتع فيه بدعم تركي قوي وغير مشروط.

وفي هذا السياق، يعتقد الخبراء أن هدف أذربيجان على وجه التحديد هو استعادة فيزولي وجبرايل، وهما اثنتان من المقاطعات السبع الخاضعة لسيطرة الأرمن خارج إقليم كاراباخ، من أجل تجريد المنطقة العازلة حول الإقليم ومنع أرمينيا من إقامة جسر بري نحو كاراباخ وقطع اتصالها مع الإقليم من أجل ممارسة ضغوط عليها في أي مفاوضات قادمة. وبعبارة أخرى، فمن الواضح أن أذربيجان قرأت التحوُّل في الإستراتيجية الروسية على أنها تقليل لالتزام الروس بدعم أرمينيا، أو أنه بمنزلة ضوء أخضر لفرض تعديلات طفيفة على خطوط المواجهة.

ورغم أن بإمكان باكو تحقيق بعض المكاسب المحدودة على الأرض، فمن المُرجَّح أن عوامل الطوبوغرافيا ونقص الموارد والضغوط الدولية المستمرة لوقف الصراع ستتحدَّى قدرة أذربيجان على تغيير الوضع القائم بشكل جذري، حيث من المُتوقَّع أن تفقد أي حملة عسكرية أذرية الزخم العسكري بمجرد تجاوز الأراضي المنخفضة المتاخمة لخط الصراع، والتقدُّم نحو التضاريس الجبلية المعقدة في ناغورنو كاراباخ، بالنظر إلى أن هذه العوامل الجغرافية هي التي مكَّنت أرمينيا وسلطات الأرمن الحاكمة في كاراباخ من تحدي معظم الهجمات والمحاولات السابقة.

بخلاف ذلك، من المُرجَّح أن السلطات في أذربيجان ستلتزم الحذر في معايرة وتيرة التصعيد والعمليات العسكرية، وأنها ستتجنَّب شنَّ أي عمليات مُوسَّعة على الأراضي الأرمينية خارج نطاق المناطق المحتلة من أجل قطع الطريق على محاولات يريفان استدعاء موسكو لقلب الصراع بموجب معاهدة الدفاع المشترك. وفي المقابل فمن الواضح أن أرمينيا لا تملك القدرة على تحدي القدرات العسكرية لأذربيجان ونقل القتال إلى عمق الأراضي الأذرية، خاصة في غياب الدعم الروسي المباشر، ويبقى السيناريو الراجح مُتمثِّلا في تمكُّن أذربيجان من استعادة مساحة محدودة من الأراضي المحتلة حول كاراباخ وإزاحة خط الصراع لمصلحتها قليلا قبل سريان وقف إطلاق النار مجددا.

على الجانب التركي من الواضح أن مشاركة أنقرة في الصراع تتعلَّق في المقام الأول بإرسال رسائل سياسية حاسمة إلى كلٍّ من يريفان وموسكو مفادها أن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي حال قرَّر الأرمن توسيع نطاق اعتداءاتهم إلى المناطق الحساسة التي تحوي خطوط نقل الطاقة المارَّة عبر الأراضي التركية، وأنها غير راضية عن أشكال الدعم كافة التي تُوفِّرها موسكو في هذا الصدد، بل إنها على استعداد للتدخُّل ومزاحمة موسكو في مناطق نفوذها الخاصة لحماية مصالحها إذا لزم الأمر.

باختصار، وكما هو الحال في سوريا وليبيا، يأمل أردوغان في النهاية في التوصُّل إلى اتفاق مع بوتين، وهو يترقَّب تحقيق أذربيجان لأكبر قدر ممكن من المكاسب قبل طرح مبادرة سلام ثنائية على روسيا تضع بموجبها أنقرة نفسها لاعبا رئيسا في جنوب القوقاز، وتُقزِّم دور موسكو من قوة مُهيمنة في المنطقة إلى مجرد راعٍ لأحد طرفَيْ الصراع، لكن نجاح هذه المقامرة يتوقَّف على مدى قدرة أذربيجان على تحقيق مكاسب عسكرية في ساحة المعركة، حيث من المُرجَّح أن يصب الجمود والحفاظ على الوضع الراهن في مصلحة الروس والأرمن بالتالي.

الرئيس الأذربيجاني "إلهام علييف" (يمين) والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" والرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" (رويترز)

من جانبها يبدو أن روسيا أخفقت في تقدير حجم الاشتباكات الجارية ومداها، والاختلافات التي ولَّدها تدخُّل تركيا في الصراع، غير أنها لا تزال ترى أن مصالحها ستُخدَم بشكل أفضل من خلال النأي بنفسها عن التدخُّل المباشر وتجميد المواجهة في وضعها الراهن مع الحفاظ على خطوط مفتوحة مع كلا الطرفين، واستغلال نفوذها المالي والسياسي من أجل التوسُّط بشكل منفرد لوقف لإطلاق النار في أسرع وقت ممكن، قبل أن يجد بوتين نفسه مضطرا لتقاسم كعكة موسكو الأثيرة في جنوب القوقاز مع غريمه اللدود في أنقرة بلا خيار آخر.

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية