عصر مواقع التواصل.. هل صار الجمهور هو الحاكم الفعلي لكرة القدم؟

٧ اشهر مضت ٤١
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

هناك نقاش متكرر يدور عبر مواقع التواصل عقب كل خسارة لفريقك المفضل، وبينما أنت تستشيط غضبا وتكتب تعليقا طويلا تسب فيه لاعبي الفريق المتخاذلين والمدرب الأحمق والإدارة الفاشلة، تجد أحد التعليقات التي تسبك أنت شخصيا ويخبرك صاحبه أن هذا لا يصح حتى لا تهتز ثقة اللاعبين بأنفسهم، وأن واجبك أن تدعمهم حتى النهاية، ردك عليه أنت الآخر معروف، فبعد أن تسب عائلته بأكملها تخبره في تهكم أنه لن يرى اللاعبين ذلك بالتأكيد، ولو شاهدوه فلن يكون مؤثرا، ثم تعود لتواصل سب اللاعبين والمدرب والإدارة.

لا نعرف بالطبع إن كان سب اللاعبين والمدرب تصرفا صحيحا أم لا، لكننا نعرف أن صاحب التعليق الآخر يبدو محقا أكثر منك، ولسوء الحظ أو حسنه، لا ندري، فإن اللاعبين والإدارات يقرؤون كل ذلك، ومن الممكن أن يتسبب تعليقك الذي لا تعتقد أن له أهمية في خسارة فريقك أو رحيل المدرب أو الفوز ببطولة، بل ربما يتوقف مستوى الكثير من اللاعبين على لمسة من هاتفك، فقط لأنك موجود على مواقع التواصل.

لا شك أن مواقع التواصل هي الثورة الكبرى الأخيرة في كرة القدم التي غيّرت وجهها تماما، وقد طال تأثيرها كل شيء، أخرجت لنا جيلا جديدا من اللاعبين يهتمون بحسابات إنستغرام وتويتر أكثر من التدريبات، ويتقاضون من الإعلانات أكثر مما يتقاضونه من كرة القدم (يمكنك قراءة تفاصيل أكثر حول تحول اللاعبين والأندية إلى علامات تجارية من خلال هذا التقرير)، وكذلك أخرجت جيلا من المشجعين الجدد الذين يختلفون تماما عن سابقيهم ويتفاعلون مع اللعبة بطريقة مختلفة (يمكنك كذلك قراءة تفاصيل أكثر عن سلوكيات هؤلاء المشجعين الجدد وعاداتهم من خلال هذا التقرير)، لكن السؤال الآن لم يعد هل أثّرت هذه المواقع على كرة القدم أم لا، لكن السؤال هو كيف وصل تأثيرها إلى داخل الملعب؟

أحد أهم التغييرات التي طرأت بدخول مواقع التواصل هو إعادة تشكيل العلاقة بين الجمهور وبين أطراف اللعبة الفاعلين من مدربين ولاعبين وحكام، في الماضي كان التواصل بين الطرفين شبه منعدم، وكان اللاعب إذا أراد التواصل مع الجمهور أو الإدلاء برأي ما يتواصل مع أحد الصحفيين ليُدلي له برأيه وتصريحاته ثم ينشرها الصحفي للجمهور، مع ما يتخلل ذلك من تعقيدات وتغيير لمعنى الكلام، لكن الآن تغير الوضع تماما، ولم يعد يلزم اللاعب سوى عدة لمسات على هاتفه ليكتب كل آرائه وأفكاره ومواقفه السياسية ويتواصل مع جمهوره دون وسيط، بل وتصله ردودهم وتشجيعهم في اللحظة ذاتها، وطبقا لريو فرديناند مدافع اليونايتد التاريخي فهذه من المزايا التي يتمتع بها الجيل الحالي من اللاعبين ولم تكن متاحة في زمنه.

لكن استفادة اللاعبين من هذه المزايا أتى معها الكثير والكثير من المشكلات، لأن التواصل انفتح من الجهتين، وأتيح للجمهور أيضا ما لم يكن متاحا لهم من قبل، قبل سنوات كان إيصال رأيك إلى اللاعب مهمة شبه مستحيلة، لا بد أن تقطع المسافات وتذهب إلى الملعب وتهتف بالساعات حتى يسمعك اللاعب، لكن الآن بإمكان أي مشجع أن يُحدِّث لاعبه المفضل عبر تويتر وينتظر رده، أو يبعث له برسالة عبر إنستغرام، ولا يتكبَّد سوى ضغطة زر.

ضغطة زر فقط هي ما تَكبَّده المئات ليرسلوا إلى غرانيت تشاكا يتمنون وفاة ابنته لأنهم لم يعجبهم أداؤه في ممارسة كرة القدم، وإلى تروي ديني لاعب واتفورد يتمنون إصابة ابنه بفيروس كورونا لرفضه عودة كرة القدم بعد التوقف، وهي أيضا كل ما تَكبَّده الآلاف حين سبوا بالوتيلي بألفاظ عنصرية لأنه تجرأ وسخر من مانشستر يونايتد، وربما كانوا الأشخاص أنفسهم الذين بعثوا برسائل شبيهة إلى بوجبا وراشفورد لإضاعتهم ركلة جزاء أمام ولفرهامبتون وكريستال بالاس على الترتيب في العام الماضي، وهي كل ما يَتكبَّده الآلاف حاليا ممن يتتبعون لاعبي فريقهم لتحويل حياتهم إلى جحيم فقط لأن أداءهم لا يعجب هؤلاء المشجعين.(1)(2)

Man utd … LOL

— Mario Balotelli (@FinallyMario) September 21, 2014

وليس سب اللاعبين والتهكم عليهم هو الأمر الجديد الذي أدخلته مواقع التواصل، بل كان عنصرا حاضرا دائما في المدرجات منذ نشأة كرة القدم، إلا أنه الآن بدلا من أن يواجهه اللاعب لمدة دقائق أسبوعيا صار يتعرض له على مدار الأيام والليالي ويلاحقه التهكم والسباب في كل مكان، ولا يستطيع الهرب منه بأي طريقة.(3)

والمشكلة أن المشجع مقتنع قناعة راسخة أن اللاعب لن يتأثر بذلك، لأنه ما دام يتقاضى الملايين ويركب السيارات الفارهة فلن يتأثر برسالة هنا أو تعليق هناك، وربما لن يقرأها من الأصل، لكن الواقع وكلام اللاعبين يُثبت عكس ذلك تماما، وأغلب اللاعبين يتابعون كل ما يُقال عنهم في مواقع التواصل ويدخلون بعد كل مباراة ليشاهدوا آراء الجمهور وانطباعاته عنهم، ومهما بلغت قوة اللاعب الذهنية وثقته بنفسه فإنه يتأثر بما يُكتب عنه، حتى في أعلى مستويات اللعبة وأندية الصفوة لا يقدر اللاعبون على تجاوز ما يُكتب عنهم على مواقع التواصل، لوكاكو تحدَّث عن تأثره لفترة طويلة بالتعليقات السلبية التي تلقاها عبر تويتر، وأندي روبرتسون لاعب ليفربول قد أغلق حسابه لفترة بعد تعرُّضه لهجوم عنيف من جمهور فريقه عقب إحدى المباريات التي لم يظهر فيها بالشكل المطلوب.(4)

والمشكلة أن الآراء المكتوبة التي يقرأها اللاعبون على مواقع التواصل ليست صادرة عن محللين أو متخصصين ممن يؤخذ بآرائهم وتحليلاتهم، لكنها مجرد انطباعات وآراء لمشجع لم يستغرق دقيقة واحدة للتفكير فيها قبل كتابتها، لأن هوس الجميع بالآراء السريعة والرغبة في الوجود المستمر في فضاء مواقع التواصل يمنع الكثيرين من التأني والتمهل قبل إصدار الأحكام، ولذلك فإن الرأي الذي يقرؤه اللاعب قد يكون رأيا سطحيا فارغا صادرا من أحد الأغبياء واكتسب قيمته بفضل الانتشار ليس أكثر.(5)

وبكل سهولة فإن مسؤول إحدى الصفحات الجماهيرية الذي قد لا يتجاوز عمره 12 قد يكتب رأيا خاطئا عن لاعب ما ويؤيده الكثيرون من متابعي صفحته فقط لمجاراة الأغلبية والسير مع القطيع، ومع الوقت يصير الرأي رأيا جمعيا مع أنه رأي ساذج سطحي غير مبني على شيء. لكن حين يقرأ اللاعب هذا الرأي غير الصحيح، الذي يعلم هو في قرارة نفسه أنه غير صحيح، يتسرب إليه بعض الشك، ويدخل مباراته القادمة وهو يرغب في إثبات خطأ هذا الرأي، عندها يقع اللاعب في ما يعرف بـ (self fulfilling prophecies) أو التنبؤات المحققة لذاتها.(6)

يبدأ الأمر بادعاء غير مبني على دليل، مجرد رأي أو توقع، لكن الواقع يتشكّل ويتغير ليُنفِّذ هذا التوقع، فيظهر في النهاية وكأن التوقع كان صحيحا أو مبنيا على دليل. تخيل أنك بينما تجلس مع أصدقائك، دخل أحدهم وهو يحمل كوبا ممتلئا، وبينما يقترب منك بدأت تصيح بصوت مرتفع أنه سَيُسقِط الكوب، يتظاهر هو باللا مبالاة لكنه يبدأ في التركيز حتى لا يُسقطه، تتعلق نظرات الحاضرين بالكوب ويزداد توتر صديقك، تمر الثواني كساعات ونظره متعلق بالكوب، وفجأه يهتز الكوب في يده من التوتر ويسقط، عندها تصيح في انتصار بأن الكوب قد سقط كما أخبرتهم وكأنك كنت تعلم الغيب، لكنك لست كذلك إطلاقا، والظروف هي التي تشكَّلت لتُحقِّق توقعك، ولو تركت هذا التوقع في سرك دون أن تنطق به لم يكن ليحدث.

بالطريقة نفسها ينتشر الأمر بأن اللاعب الفلاني لا يُجيد الدفاع، يتداول المشجعون الرأي وكأنه واقع، يصل الرأي إلى اللاعب، هو يعلم أنه ليس كذلك، لذلك ينزل إلى المباراة التالية بنية إثبات خطأ الفكرة، تبدأ المباراة ومع أول مواجهة مع المهاجم يتذكر الأمر؛ فيرغب في التعامل بأفضل طريقة ممكنة وقطع الكرة بأفضل طريقة، فينتهي به الأمر وقد مرَّ المهاجم، ويُثبت هو بنفسه أنه لا يُجيد الدفاع، ويظل الأمر يتكرر حتى يدخل دائرة الشك في قدراته ويتدهور مستواه، وقد تنحدر مسيرته تماما إن لم يحسن التعامل مع الأمر، وبداية الأمر كانت من مسؤول الصفحة صاحب الـ 12 عاما.

لاحظ أننا تحدثنا فقط عن الأثر الذي يُسبِّبه قراءة الانتقادات والتهكم، لكن الأمر ليس كذلك فقط، لأن مجرد التصفح العادي لمواقع التواصل يؤثر سلبا على اللاعبين، وطبقا لعدة أبحاث آخرها هو المنشور في "journal of sports science" فإن مجرد تصفح مواقع التواصل لمدة نصف ساعة قبل المباريات من شأنه أن يؤثر على أداء اللاعب بالسلب، ويحد من قدرته على اتخاذ قرارات صحيحة داخل الملعب.(7)

البحث تم عن طريق عدد من الباحثين على عدد من اللاعبين المحترفين بالبرازيل، حيث قاموا بتقسيم لاعبي أحد الفرق إلى ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى سُمح لهم بتصفح مواقع التواصل، والثانية كانوا يلعبون ألعاب الفيديو، والثالثة لا تفعل هذا ولا ذاك، وقبل المباراة قاموا بعمل بعض الاختبارات الذهنية للمجموعات الثلاثة، ثم نزل اللاعبون إلى الملعب وقام الفريق بتسجيل المباراة، وتولى عدد من المحللين المحترفين تحليل كل القرارات التي اتُّخِذت داخل الملعب ومدى أفضليتها على الخيارات المتاحة، وبالتالي تحديد مدى قدرة اللاعبين على اتخاذ قرارات صحيحة، وكانت النتائج كما توقع الباحثون تماما، وكانت المجموعة التي لم تستخدم مواقع التواصل أو ألعاب الفيديو هي الأكثر نشاطا والأفضل من حيث اتخاذ القرارات، وكانت وصية الباحثين واضحة: الابتعاد عن وسائل التواصل قبل المباريات لا يبعدك فقط عن الرسائل السلبية، بل يساعدك على الأداء بشكل أفضل.

وطبقا لشون إينغل محرر الغارديان، فإن البحث قد أثار اهتمام العديد من الأندية، منهم مانشستر يونايتد الذي تواصل مع عدد من الأطباء والمتخصصين لبحث كيفية تفادي الآثار الضارة لهذه المواقع على اللاعبين، لأن محاولاته لمنع اللاعبين من استخدامها نهائيا لم تعد ممكنة بأي حال من الأحوال، وبات على الجميع أن يحد من تأثيراتها داخل الملعب قدر الإمكان.(8)

مهما مرَّ الزمان سيظل سوق الانتقالات من فترات مشجع كرة القدم المفضلة، ومؤخرا قد غيّرت مواقع التواصل قواعده تماما، وبينما كان المشجع في الماضي ينتظر خبرا من هنا أو هناك عن تعاقد فريقه مع لاعب معين ليفرح به لدقائق وينتهي الأمر، فإن الوضع الآن قد اختلف، وبات سوق الانتقالات فرصة ذهبية للمشجعين لممارسة مهاراتهم في تحليل وتقييم اللاعبين، ومهاراتهم كذلك في اختراع خطة مناسبة للفريق تضم ستة مهاجمين وخمسة صناع لعب مع فان دايك وراموس وكوليبالي لتأمين الدفاع، تشكيلات لا تنتهي وأفكار لا تنقطع، وبعضها أفكار ممتازة بالفعل لكنها للأسف لا تصلح إلا في ألعاب الفيديو.

لكن المشكلة أن الجمهور يعتقد أنها من الممكن أن تتحقق على أرض الواقع، بل ويضغط بقوة من أجلها، وفي كل موسم يرغب في استبدال نصف الفريق بغيره، ويتمنى أن يُعلن النادي عن صفقة في كل يوم حتى يتفاخر بها على باقي المشجعين، ولا يهمه أي شيء بعد ذلك، لكن الأغرب أن الإدارات تجلس لتتابع كل ذلك في اهتمام لأنها ترغب في رضا الجمهور بشكل دائم، وصارت تبذل جهودا مضنية في كل عام لأجل تنفيذ رغباته دون النظر لاحتياجات الفريق الفنية أو قدراته المادية، صفقة كصفقة كوتينيو إلى برشلونة تبدو مثالا واضحا على ذلك.

حتى عملية شراء اللاعبين واختيارهم بات لمواقع التواصل فيها دور معتبر، وقوة اللاعب وتأثيره فيها باتت من الأمور التي ترفع أسهمه في التفاوض وتنتقص من غيره، بل بات من الممكن أن يتعاقد النادي مع لاعب لأجل ذلك، إد وودوارد ترك صفقة سانشيز الذي لم يستفد منها اليونايتد بشيء وخرج ليتحدث عن أرقام الإعجابات والمشاركات التي جلبها منشور تقديمه مع الفريق، وليفربول أنشأ صفحة للنادي على فيسبوك باللغة اليابانية في يوم تقديم مينامينو، باعتبارها فرصة لا تُعوَّض لاجتذاب مشجعين ومتابعين جدد.

وكذلك بات ما يكتبه اللاعبون وآراؤهم على هذه المواقع أمرا شائكا للغاية، وقد تعرّض اللاعبون لعدة مشكلات وعقوبات بسبب ذلك، كما حدث مع بيرناردو سيلفا في واقعة العنصرية الشهيرة مع زميله ميندي، وآخرها الأزمة التي أعقبت تغريدة مسعود أوزيل عن مسلمي بورما وانتهاكات الصين، كذلك بات من الممكن أن تتسبَّب تغريدة أو صورة وضعها لاعب قبل سنين في تعطيل مسيرته عند لحظة من اللحظات، كما حدث مع اللاعب سيرجي جوارديولا الذي تعاقد معه برشلونة ثم ألغى التعاقد بسبب تغريدة كان يسب فيها إقليم كتالونيا قبل أعوام، ولذلك بات ما يكتبه اللاعبون على صفحاتهم الشخصية في أي لحظة مؤثرا في مسيرتهم بأكملها.(9)(10)

#HayırlıCumalarDoğuTürkistan 🙏🏼 pic.twitter.com/dJgeK4KSIk

— Mesut Özil (@MesutOzil1088) December 13, 2019

على ذكر سوق الانتقالات فلا يمكن أن ننسى بالطبع التأثير المهول لفيديوهات اللاعبين التي تملأ يوتيوب، والقادرة على جعل أي مهاجم يبدو كالظاهرة تماما، وفيها لن يمكنك تمييز أي مدافع عن مالديني لولا لون القميص، وبكل بساطة قد يقنعك الفيديو أن هذا اللاعب موهبة فذة حتى لو كان لا يعرفه سوى والديه وصديقه الذي نشر فيديو، شاهد الفيديو القادم ثم لنكمل.

فيديوهات يوتيوب هذه التي تهرع إليها حين تسمع أن فريقك تعاقد مع لاعب معين هي وإن كانت مفيدة أحيانا لكنها الآن تمنحك تصورا شاملا مغلوطا عن إمكانيات اللاعب القادم لفريقك، فتمتلك أنت عنه انطباعا وتوقعا سابقا ولا تنتظر منه إلا أن يأتي ليؤكد لك، وتتجاهل تماما أشياء كالتكيف واختلاف مستوى المنافسة وفساد فكرة الفيديو من الأصل لتقييم اللاعبين، ومهما أقنعت نفسك أنك أذكى من اللازم ولن تنخدع بالفيديو، فأنت لا إراديا ستُشكِّل توقعات وانطباعات لا محالة، وطبقا لسيب ستانفورد محلل "فور فور تو" فإن ذلك يحرم اللاعب من أن يأتي ويكتشف الجمهور مزاياه وعيوبه مع الوقت ويحصل على وقته الكامل في التكيف والاندماج، لكن هنا حيث مواقع التواصل فلا أحد يصبر.(11)

الحفلات باتت جزءا أصيلا من التشجيع، وخسارة فريقك اليوم تعني حفلة لن تنقطع عدة أيام، ستتحول حياتك إلى جحيم حين تجد المواقع كلها تتهكم على فريقك، وقصف الجبهات و"الإفيهات" السخيفة ستجد طريقها إليك مهما حاولت، والحل إذن؟ الحل ألا يخسر فريقك بكل بساطة، ما المانع في تخطي الضرورات الكونية التي تقتضي الفوز والخسارة؟ هذا أهون بالطبع من التعرض لحفلة قاسية من مواقع التواصل.

هذا هو الوضع الآن، جمهور يعاني من سعار دائم ويجلس في وضع تأهب مستمر، وأغلبهم ينطبق عليه وصف جوناثان ويلسون كبير محرري الغارديان بأنهم "super fans"، ويقصد بالمصطلح المشجع الذي لا يرضى بغير الفوز ويرغب في حصد كل البطولات ويعتبر التفريط بأي بطولة فشلا ذريعا، ويرغب دائما في تغيير كل شيء وإقالة المدرب وعقد الصفقات بعد كل إخفاق ولا يقنع بشيء أبدا، ومن خلفه إدارات ترغب في رضا الجمهور لأنها تريد أكبر قدر من المكاسب التي يؤمِّنها الجمهور، وبذلك أصبحت مواقع التواصل بكل بساطة هي الحاكم الفعلي للنادي، ولم تعد الإدارات تملك السيطرة الكاملة على قراراتها إلا نادرا.

ولكي تُدرك المكانة الفعلية لجمهور مواقع التواصل عند الإدارات، فهناك عدة مواقف لترى ذلك، منها تراجع إدارتَيْ توتنهام وليفربول عن قرارهم بالتوقف عن دفع رواتب الموظفين والعمال حيال توقف كورونا، وكيف خضعت الإدارات سريعا لرغبة مواقع التواصل، وكذلك موقف إدارة برشلونة التي تعاقدت فيه مع وكالات متخصصة لأجل تشويه صورة لاعبي الفريق وعلى رأسهم ميسي ووضعهم في مواجهة مع الجمهور، وما تفعله إدارة الأهلي المصري التي تخطب ود كل الصفحات الجماهيرية والأصوات المسموعة لأجل تمرير قراراتها والتبرير لها وتشويه مخالفيها، كل ذلك يخبرك كيف بات الجمهور يحرك إدارات كرة القدم.

الفكرة أن ذلك تسبَّب في اتخاذ الإدارات لنمط دائم يُجاري أهواء الجمهور ورغباته، ويتبنّى الإيقاع السريع نفسه الذي لا يستقر أبدا، وهو ما تسبَّب في عدة ظواهر أهمها اختفاء التجارب الطويلة الجديرة بالاحترام، التجارب التي يستمر فيها المدرب عدة أعوام ليبني فريقا دون أن يفوز بالبطولات، لم يعد أحد ليتحمل ذلك، الكل يريد النتائج بأسرع ما يمكن، تأمل أندية مثل اليونايتد وبرشلونة وإيفرتون والأهلي، أين المشروع الذي يُبنى الفريق عليه؟ لا شيء، المشروع هو الفوز وتلبية رغبة الجمهور فقط. وربما هذا هو ما يمنح تجربة ليفربول تفرُّدها حاليا، إدارة تستمر مع مدرب دون الفوز بأي بطولة لثلاث سنوات ودون التفكير في إقالته، ودون إبرام صفقات جماهيرية كبرى لا يحتاج إليها الفريق، ليجنوا بعد ذلك ثمار هذا الصبر الذي قلَّ مثيله في هذه الأيام ويُحقِّق الفريق الدوري الغائب منذ 30 عاما.

تطلُّب الجماهير أصبح يطغى على اللاعبين كذلك، لم يعد هناك مجال لانخفاض المستوى أو فترات الهبوط، ولا بد أن يكون اللاعب آلة لا تتعطل طوال الموسم، نقاط الفانتازي ينبغي ألّا تتوقف، وإلا فهو لا يصلح وينبغي أن يرحل ليأتي غيره فيُعيد الكَرَّة، كما لم تعد هناك أي فرصة لتطوير الناشئين ومنحهم الوقت للتحسُّن، هذه كلمات لم تعد في قاموس المشجعين الجدد، لأنه لا أحد يصبر على ذلك، فالشراء حل أسهل وأنجح من وجهة نظر أغلب مشجعي كرة القدم، وبشكل ما فإن الجمهور يعامل اللعبة وكأنه في إحدى ألعاب الفيديو وليس في أرض الواقع، وربما كان هذا جزءا كبيرا من مشكلة المشجعين الجدد، أن ألعاب الفيديو هي التي شكَّلت وعيهم بشكل ما، وكانت الشريك الأول لمواقع التواصل في تغيير كرة القدم تماما في السنوات الأخيرة، لكن قد يحتاج هذا إلى تفصيل أكبر. والمؤكد أن مواقع التواصل قد غيَّرت كل شيء مؤخرا، لاعبين ومدربين وإدارات، ولا أحد يعلم إلى أي حدٍّ سيصل هذا التأثير، وربما لم يعد توقُّع أرسين فينجر بأن يُصوِّت الجمهور على التغييرات والتشكيل عبر تويتر بعيدا، بل صار الآن أقرب من أي وقت مضى.

هل شاهدت الفيديو الذي كان في الأعلى، ربما لم يكن الفيديو مُعبِّرا عما أردنا قوله تماما، ذلك أن لينجارد كان على رأس القائمة التي أراد مانشستر علاجها من آثار منصات التواصل الاجتماعي، لأنه على حد قولهم كان قد تأثَّر كثيرا بحملات التهكُّم والسخرية التي طالته عبر مواقع التواصل، لذلك ربما كان هذا الفيديو هو مستواه الحقيقي وقد انخفض بسبب تعليقاتك السلبية عنه وتهكُّمك عليه، لقد ظلمت مواقع التواصل لينجارد وحرمتنا من موهبته، اللعنة على مواقع التواصل.

__________________________________________________________

المصادر

هل يقاضي نجوم الدوري الإنجليزي مواقع التواصل؟ تروي ديني يتلقى رسائل تتمنى إصابة ابنه بكورونا تشاكا ضد مشجعي أرسنال.. هل الجمهور محق دائما؟ – ميدان عدد من اللاعبين يغلقون حساباتهم للهروب من مواقع التواصل – bbc مشجعو كرة القدم هم مجموعة من الحمقى – the guardian تعريف التنبؤات المحققة لذاتها – psychology today تأثير مواقع التواصل وألعاب الفيديو على جودة قرارات اللاعبين داخل الملعب – journal of sports science مقال شون إينغل عن مواقع التواصل وأثرها على مستوى اللاعبين – the guardian برشلونة يُلغي تعاقده مع أحد اللاعبين بسبب تغريدة – the independent إيقاف بيرناردو سيلفا بسبب تغريدة عنصرية – sky تأثير الإنترنت على تعاملنا مع الصفقات الجديدة – four four two
  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية