عبد الرزاق الربيعي: لا مفرّ لنا سوى الشعر في عالم متوحش وقاسٍ

٨ اشهر مضت ٦
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

"في عالم يجنح للتوحّش، قاسٍ، وصلد، (كجلمود صخر هدّه السيل)، ملؤه (الصخب والعنف)، لا مفرّ لنا سوى الشعر"، هكذا يجيب الشاعر والكاتب المسرحي العراقي المقيم في عُمان، عبد الرزاق الربيعي، عن سؤال الجزيرة نت: "لماذا نحتاج الشعر في الزمن الراهن؟".

يعتقد الربيعي أنه في زمن اليوم المؤثث بالحروب والمآسي في وطننا العربي، "لا مفرّ سوى الشعر"، لتحريك عواطفنا، وتنقيتها، وطرد سموم الرتابة، والضجر خارجا، وترطيب الوجود، وإنعاشه.

ويضيف الربيعي، في حوار مع الجزيرة نت، قائلًا إن الشعر منقذ من الجفاف، ومن خلاله نسعى للكمال.

مهمة عظيمة

"يا لها من مهمّة عظيمة!"، أردف الربيعي، وتابع بقوله "لا غرابة، فالشعر اكتمال، ودهشة، وجمال، يرفع منسوب العذوبة والأمل، والمغفرة، ويعيد ترتيب أولويات العالم كلّما اختلّت الموازين، وتفتّتت عناصره، وكذلك يعيد تركيب الواقع، كما يتشكل في الأحلام، يبني حدائق الجمال بباقات زهور اللغة، في إطار جمالي ومحتوى ذي أبعاد إنسانية، متعدّدة".

ولأجل كلّ ذلك ينطلق الشاعر على مركبة المخيّلة مستشرفا آفاق المستقبل، في رحلة بين الأزمنة المختلفة، تتجاوز الحدود الجغرافية، وتتّجه إلى الغد، "وفي كلّ ذلك يبقى الشعر موقفا، فهو يتصدّى لأعداء الحياة، وعوامل استلاب الإنسان، مدافعا عن الحريّة، والجمال، والحبّ عبر انزياحات عن المألوف، مثيرا الدهشة، في المتلقّي".

ويستطرد الربيعي، متحدثًا عما أشار إليه بـ"الشعر الحقيقي"، الذي يمكن التعرّف عليه، كما يقول ياكوبسن من خلال "مدى التغيير الذي يحدثه في نفس القارئ"، وقد وضع الشاعر جميل صدقي الزهاوي معيارا جميلا بقوله:

إذا الشعر لم يهززك عند سماعه
فليس حريّا أن يقال له شعر

تأسيسًا على ما سبق، يؤكد الشاعر الربيعي أنه لا بدّ للشعر من أن يترك أثرا في المتلقّي، ويحدث هزّة، ومن دون ذلك، يمرّ كأيّ كلام عابر، ويُنسى، فالبقاء للأجمل، مستشهدًا بقول دعبل الخزاعي:

يموت رديء الشعر من قبل أهله
وجيده يبقى وإن مات قائله

تحريك مياه راكدة

ومتحدثًا عن "شرارة الشعر التي تشعل الحرائق"، يُراهِن الربيعي على أن "الشاعر لا يكتب عن فراغ"، علما أن الربيعي أثرى المكتبة العربية بما يقرب من 40 كتابًا معظمها في الشعر، فضلًا عن كتابة مسرحيات، وتُرجمت مسرحيته (على سطحنا طائر غريب) إلى اللغة الإنجليزية وصدرت في كتاب طُبع في لندن عام 2018.

ويضيف: بالنسبة إليّ، غالبا ما تستبق النصّ الذي أكتبه تجربة، مهما كانت بسيطة، فلا بدّ من شرارة لإشعال حرائق الكلمات، حتى لو كانت تلك الشرارة تأتي من مفردة، أو صورة، أو جملة موسيقية، أو أغنية تحرّك مياها راكدة في الذاكرة.

ويحيل الربيعي القارئ إلى نصّ له بعنوان "وجه في مرآة"، يجد أنه يعكس نوعا من الصراع الذاتيّ، وحالة من التشظّي: "عندما كتبت النص ذاك، كنت متعبا، وحزينا، وفجأة سقط نظري على وجه أمامي ليس غريبا عليّ، وكان ينظر لي شزرا، فبقيت أحدّق بالمرآة، لعدّة ثوان، وإذا بي أكتب هذا النص".

شرارة من الغيب

"لا مكان محدّد، ولا طقوس، كلّ الأماكن صالحة للشعر حين تهبط شرارته من الغيب"، بهذا القول يحسم الربيعي الحديث مجيبًا عن سؤال "جدوى الشعر في زماننا الراهن؟".

رحلة ممتدة لعقود، وما زالت مستمرة، مع الشعر والكتابة. يقول الربيعي بهذا الصدد، "كانت البداية عندما أصغيتُ لنداء مخبوء تحت طبقات اللاشعور، قادني للإصغاء، في صغري، إلى قصص الأهل في المساءات، وما يردّدونه من أشعار باللهجة الدارجة، وأغانٍ محلية، كانت تنمو على ضفاف الأنهار، حملوها مع حاجياتهم البسيطة قبل نزوحهم من الجنوب نحو بغداد العاصمة، ليبدؤوا رحلة الغربة داخل الوطن، وما تحمل تلك الأغاني من شجن.

الأعمال الكاملة للشاعر عبدالرزاق الربيعي صدرت في مجلدين وتتضمن وقائع حياتية عاشها الأديب العراقي العُماني (الجزيرة)

كانت تتلبّسني حالة من الشعور بالسعادة عندما أسترجع مع نفسي تلك الحكايات، والأشعار، والأغاني، وحين أضيق ذرعا من كثرة تكرارها أجمع أصدقائي في المحلة، وأعيدها على مسامعهم، فتكبر سعادتي بهذا الجمهور الذي صار يطالبني برواية المزيد، وهذه واحدة من متع الكتابة: "سماع ردود الأفعال التي تشكّل دافعا"، وكان شبيها بما نقرأ اليوم في التعليقات على منشوراتنا في مواقع التواصل، وحين تنتهي ذخيرتي مما سمعت تأخذ ذلك الصبيّ العزّة بالحكي.

وهنا يضطرّ (الصبيّ) إلى الدخول في المحظور، فيبني على الشخصيات أحداثا مختلقة من خياله الذي يشطح كثيرا، ويسير في خطوط غير منتظمة لا خيط يربطها، فيتململ الصبية من حوله، ويشكّون أن ما يرويه ليس حقيقيا كحكايات الجدّات، وإنما من قلبه، أي من خياله، ويكون عليه في المرة المقبلة القسم أنّ ما سيرويه حقيقيا، وقد سمعه من الجدّة، وليس من شطحات قلبه.

لعبة الكتابة

ويتابع الربيعي: بمرور الأيّام استمرّت لعبة الكتابة التي برع درويش في وصفها بأنها "جَروٌ صغيرٌ يَعضُّ العدَمْ"، وكبرت اللذة، وتشعبت القضايا، وعرفنا الطريق إلى القراءة، فقرأنا كلّ ما يقع تحت أيدينا، ووجدنا سعادتنا فيها، ثم كانت الكتابة، التي وجدنا فيها استعادة لفردوسنا الجنوبيّ المفقود، وألفناها رغم متاعبها.

يستذكر الربيعي قول غوستاف فلوبير "يا لها من مهنة صعبة مهنة الكتابة. القلم أشبه بمجداف ثقيل!"، بينما يواصل سيره على درب الكتابة "واصلنا السير على طريق الجلجلة، وصارت توفّر لنا أرضيّة صالحة لحراثة الأحلام، فـ(الكتابة هي بنك الأحلام) حسب أرنستو ساباتو، وربما كانت الكتابة بديلي عن الحلم، بل هي الحلم!"

"آه أيّتها العاصفة"

منذ بداياته وجد الربيعي في المسرح متنفّسا، وكان شغوفا به، وقد ساعدت البيئة التي نشأ فيها على ذلك، من حيث كونه واجهة تثقيفية، في مرحلة شهدت نشاطا، وحراكا مجتمعيّا في السبعينيات، وفي خضمّ ذلك، كتب العديد من النصوص التي قدّم بعضها على خشبات المسارح العربية، والدولية.

بين الشعر والكتابة للمسرح، يسعى شاعرنا لأن يكون "مسرحيّا في الشعر، وشاعرا في المسرح"، وفي هذا الصدد، يقول الربيعي في سياق حديثه للجزيرة نت "الدراما عنصر أساسي في نصّي الشعري، عبر آليّاته، وأدواته كالبناء، والحوار، ورسم الشخصيّات، والسرد، وفي المسرح تحضر لغتي الشعريّة التي صارت تميّز نصوصي، وتطرّزها، إلى جانب الرؤى الشعريّة، ومناخاته".

وكما هو معروف لدى الجميع، علاقة الشعر بالمسرح قديمة، فقد قام على أكتاف الشعر، منذ بداياته في عصر الإغريق، ويكفي أن أسخيلوس صاحب النصوص المسرحية التي تعدّ الأقدم في تاريخ المسرح، كان شاعرا، إلى جانب سوفوكليس ويوربيدس، وسواهما.

"الشعر أبو المسرح، والفنون أحفاده"، بهذه العبارة يحدد الشاعر والكاتب المسرحي عبد الرزاق الربيعي موقعه بين الشعر والمسرح.

غير بعيد، ينوه الربيعي (الذي يغيب طويلًا عن وطنه الأم "العراق")، أن الحنين إلى الأوطان حالة وجدانيّة طبيعية، ملازمة للإنسان "فإذا لم يحنّ إلى وطن، حنّ إلى أيّام شبابه". كما أن الحنين قاسم مشترك أعظم، بين البشر. كلّ إنسان يحنّ لشيء، وأكثرها ألمًا الحنين إلى الأوطان.

سرُّ الغريب

ويصبح الحنين أحيانا معيارا في تقييم الإنسان، وقد ورد عن الأصمعى قوله "إذا أردت أن تعرف الرجل، فانظر كيف تحنّنه إلى أوطانه وتشوّقه إلى إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه"، وما دام كذلك، لماذا يغادر بلده؟، (يسأل عبد الرزاق الربيعي، ليجيب) مستشهدًا بقول إبراهيم الكوني "لا يتغرّب المرء بلا سبب. في صدر الغريب يرقد السرّ".

عندما سألته ما ذكرياته عن اليمن التي أقام فيها 4 سنوات متتالية (بين عامي 1994 و1998)، وما انطباعه عن حراك الثقافة والإبداع هناك، فاجأني الربيعي بقوله "بل قل ما الذي يمكنني نسيانه في (اليمن السعيد)؟".

ويعترف الربيعي أنه مدين لصنعاء، إذ شهدت ولادته الشعرية الثانية "أنا مدين لصنعاء التي شهدت ولادتي الشعرية الثانية بالكثير، وقد تمت تلك الولادة في مجلس الدكتور عبد العزيز المقالح الأسبوعي الذي كان يعقده عصر كلّ أحد في مركز البحوث والدراسات اليمني بشارع بغداد، في صنعاء".

ما زلت مشدودا إلى اليمن

ومن الأدباء اليمنيين كان يحضر الشاعر أحمد ضيف الله العواضي، والناقد محمد اللوزي، ومحمد الشيباني، والدكتور عبد الواسع الحميري، ومأمون الربيعي، وآخرون، وغالبا يدير الجلسات الكاتب الراحل عدنان أبو شادي. "واليوم، أستحضر كل ذلك، فما زلت مشدودا إلى اليمن الذي أتمنى أن يعود سعيدا هانئا بالسلام".

يأسف عبد الرزاق الربيعي لحالة الانقسام التي تسم المشهد الثقافي العراقي، واصفا إياه بالمشهد العليل، تماما كمشهد الثقافة العربية "منقسم، مثل المشهد العربي، يعاني من علل، وشحوب، وأمراض مزمنة، ووهن، وأميّة، وكانت نتيجته هذا التراجع الحضاري الذي تمرّ به أمتنا وما يعاني إنسانها من ظروف سياسية خانقة، واقتصادية، طحنته، وسحقت أحلامه، لكن وسط هذه العتمة، يلمع ضوء القصيدة ليعيد لنا الأمل".

في إصداره الأخير “نهارات بلا تجاعيد” يعبر الشاعر العراقي عن وجدانه ومشاعره المرتبطة بالشوق والعزلة (الجزيرة)

عُمان

منذ سنوات يقيم الربيعي في عُمان، وهي البلد التي قدّمت له الإحساس بالأمن الذي فقده لسنوات طويلة، بحكم نشأته في بقعة محكومة بالصراعات المستمرة، والاقتتالات، والحروب، والأزمات (العراق)، كما يقول.

ويضيف الربيعي في هذا السياق: قدّمتْ لي عُمان الهدوء محلّ صخب الحياة الذي أحاط بي طويلا، والحب محلّ الكراهية التي غلّفت حياتنا، والاستقرار محلّ الترحال، والوطن محلّ الشتات، لقد قدّمت لي ما كنت أبحث عنه.

شغف قديم

للربيعي تجربة طويلة في الكتابة للصحافة الثقافية العراقية والعمانية والعربية، ولا سيما تجربته مديرا لتحرير صحيفة أثير الإلكترونية العُمانية سنة 2013، ورئيسا لتحرير أثير الإلكترونية 2016، فقد بدأ ولعه بالعمل الصحفي منذ البداية، حين ظهر على شكل نشرات جداريّة كانت تعلّق على جدران المدرسة، أو حائط مقهى شعبي في الحيّ الذي يسكنه، إضافة إلى مجلّات كان يكتبها بخط اليد، يقلّد فيها ما ينشر في المجلات والصحف، "من باب المتعة والتسلية لأطفال كانت طفولتهم تفتقر للكثير من ألعاب الطفولة"، على حد قوله.

لكن -يتابع الربيعي حديثه- كبرت اللعبة، والحب لهذا العمل، الذي من حسناته أنه يجعلني قريبا من أجواء الشعر، والمسرح، والفنون، فعملت في الصحافة الثقافية في بغداد، وعمّان، وصنعاء، ومسقط، ما جعلني أرتبط بعلاقات ثقافيّة واسعة، مع العديد من الأدباء العمانيين، والعرب، ومكّنتني من مشاهدة عروض مسرحيّة، وسينمائيّة، وحضور حفلات، ومهرجانات فنية، وقراءة الكثير من الإصدارات الجديدة.

ختامًا، يكشف الربيعي أن الكتابة للصحافة الثقافية (مهنة المتاعب) امتصّتْ الكثير من طاقته الشعرية، وخسر الكثير من الوقت في علاقات اجتماعية يضطر لعقدها العاملون في وسائل الإعلام مع المصادر، "بينما يحتاج الشاعر للعزلة والخلوة، ومع ذلك يبقى حبّ الصحافة يملأ شغاف قلبي".

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية