مقال قبل الفجر

١٠ اشهر مضت ١٠
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

هل يُولَد مقال قبل صلاة الفجر ؟ 
نعم عندما يكون الداعي لهذا المقال أمرًا جللًا. 

عندما تستيقظ فتجد في جوالك رسالة أقضت مضجعك وأذهبت النوم عنك..!!!
لقد وصلتني رسالة شاهدتها قبل صلاة الفجر بساعة فارقني معها النوم..
نعم، إنها رسالة تنقل خبر رحيل رجل لا ينام قبل الفجر!!

يسمع من حوله حنينه، ويسمع أنينه وخشوعه ومناجاة ربه.. اشتاق إلى الجنة كأنه يراها.. أفنى حياته في ذكر وتسبيح، وتذكُّر للآخرة، وختم للقرآن، وصيام وقيام.

 فسرعان ما عمدت إلى قلمي دون شعور، كأن شيئًا من المشاعر العاطفية الحزينة تدفعني إلى ذلك المقال.

اليوم يرحل أحد أكرم أبناء أسرة القفاري كرمًا في الكلمة، وكرمًا في الطيبة، وكرمًا في المال، وكرمًا في العطاء، وكرمًا في الجاه، وكرمًا في الضيافة، وكرمًا في الابتسامة، وكرمًا في العصامية والعمل الجاد، وكرمًا في بذل الوقت لمساعدة الآخرين، وكرمًا في صلة الرحم، وفي الوفاء مع القريب والبعيد.

لم تشاهد عيني في هذا الزمن رجلًا واصلًا للرحم مثله.. الرحم التي من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.

أحبه الجميع

ولم تشاهد عيني رجلًا أحبه الجميع، وخاصة من أبناء أسرة القفاري وأقاربهم. 
يلتفون حوله في كل مناسبة ظلًّا ظليلًا، ويستقبلهم بابتسامته
المعهودة، التي يتقبل بها الصغير قبل الكبير. 

منزله مفتوح لا يغلق ألبتة.

كم عيون ستدمع! وكم روح ستفقد ذلك الشيخ الوقور!

لن أنسى كلماته الجميلة وذكرياته الماضية التي رواها لي في عدة لقاءات في تاريخ الأسرة وغيرها. 

كل هذا نوع من الوفاء لمن أحبهم وأحبوه، ورحلوا قبله وسبقوه، وها هو اليوم يلحق بهم، ليلتقي بهم في الجنة بإذن الله.

كان والدي يحبه حبًّا لا يوصف، وهو يحبه كذلك، رحمهم الله جميعًا.
لقد تعلمت الكثير من تواضعه، وسلوكه، وخلقه الرفيع.

لا أعرف رجلًا أجمع الناس على حبه في هذا الزمن مثل العم صالح رحمه الله .. سؤال لي ولكل محب: لماذا جمع هذا الحب من الآخرين؟
لديه حب للجميع وتواصل دائم.

كثيرًا ما يهاتفني وهو في سن والدي، يسأل ويسلِّم ويدعو للجميع بالخير.
أبو راشد رجل طلَّق الدنيا مبكرًا، لقد جاورته في منزله سنتين تقريبًا، فلم أرَ رجلًا يدخل المسجد قبله.

نشرت إحدى فتيات الحي عام 2013م على وسائل التواصل صورة لسيارة، ثم كتبت تعليقًا عليها: هذه سيارة جارنا (أبو راشد القفاري)، شيخ كبير يأتي للمسجد قبل الأذان. 
ثم تقول: كان حريصًا على حضور الصلاة مبكرًا، حتى إننا نعلم بقرب وقت الأذان من صوت سيارته القادمة إلى المسجد، خاصة بعدما مرض وأصبح يأتي به السائق بالسيارة.

لقد أحبه جميع جماعة الحي. 
كان كريمًا باذلًا مع الجميع. 

لن تنساه حديقة المسجد التي حولها إلى بستان جميل من النخيل، وجهزها بكل ما تحتاجه من حسابه، وكأنها مزرعته الخاصة، وبذل فيها من ماله وجهده وعمَّاله.
فبعدما كانت أرضًا بيضاء يعلوها الغبار صيَّرها دوحة خضراء تسر الناظرين.

البذل والعطاء 

رجل البذل، رجل العطاء، تعرفه عشرات العوائل والكثير من المحتاجين في الرياض والقصيم ومكة والمدينة.

سيفقده المحراب.. سيفقده الحرم المكي الشريف الذي لازمه كثيرًا من أيامه، سواء في رمضان الذي صامه بجواره قرابة أربعين سنة، أو في زياراته المتتابعة في غيره من الشهور.

عبادة.. وخشوع.. وعمل صالح.. وبذل وعطاء على فقراء الحرم وخارجه.
يقول أحد الزملاء: ما دونته عن أبي راشد في تويتر قليل في حقه، ثم يقول: وقد رأيته بنفسي في رمضان في مكةَ يبذل عطاءً غير مردود، ينفق نفقة من لا يخشى الفقر. أسكنه ربي جنات الفردوس الأعلىٰ.

تحمل المسؤولية مبكرًا

رحل والده وهو طفل صغير، وكان وحيد والده من الذكور، فتحمل المسؤولية مبكرًا، وحمل على عاتقه الجد والاجتهاد في رعاية والدته وأخواته حتى آخر رمق من حياته. حباه الله عددًا من الأولاد والبنات والمال والخير والكرم والزهد ومحبة الناس .. فكان الابن البار والأب الحاني والأخ الوافي والجار المعين والصديق الواصل.
 لا يعرف الغيبة أو النميمة أو الحسد. 

مخموم القلب، يعيش في ابتسامة دائمة مع الصغير والكبير، نقي القلب، صادق السريرة، محب للخير.

صح في الحديث: عن عبد الله بن عمرو قال: قيل لرسول الله ﷺ: أي الناس أفضل؟ قال: (كل مخموم القلب، صدوق اللسان) قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: (هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل، ولا حسد).

لِمَ لا وقد ترعرع في مجالس العلم في مدينة بريدة؛ حيث أسس حسه العلمي والخيري والتجاري بين جدران بيوتها ومجالسها المتنوعة.

مجالسة الصالحين

لقد حضر دروس عدد من العلماء، ومنهم الشيخ محمد الصالح المطوع فأخذ من تواضعه وغيرته وزهده وبساطته.

وكذلك الشيخ عبدالله بن حميد وغيرهم من علماء بريدة.

ثم شد الرحال في طلب الرزق إلى مدينة الرياض حيث بدأ عمله التجاري في مجال العود والبخور والأعشاب، فكان مدرسة في الخلق، والأمانة، وحب الزبائن له، وكان أنموذجًا حيًّا للتاجر المسلم الأمين.

كان محب للعلماء والدعاة ومجالسة العباد والصالحين وزيارتهم على الدوام.

بابه المفتوح

اشتهر - رحمه الله - بمجلسه المفتوح واستراحته التي بجوار بيته، التي كانت بمنزلة بيت ضيافة للجميع.

وبعد أن قارب الستين ودع الدنيا، وباع محلاته التجارية، واتجه إلى مصحفه، ومسجده، وزاد تردده على البيت الحرام. وقضى جل وقته بين أولاده، ومسجده، ومصلاه. وقد لازم الجلوس في المسجد بعد صلاة الفجر حتى الإشراق منذ أن كان شاباً، وكذلك قيام الليل، الذي لم يدعه في حضر ولا سفر، نحسبه - والله حسيبه - ممن قال الله فيهم: «تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ».

البذل والعطاء

أما الحديث عن أعماله الخيرية في البذل والعطاء فليس لها حد ولا عد، فقد شارك في الكثير من أعمال الخير، وخاصة على الفقراء والمحتاجين والضعفاء، وكان حريصًا على الصدقات، وإعانة المحتاجين حتى ينفد ما عنده، مع أن حالته المادية كانت متوسطة، وقد ظن بعض الناس من كثرة إنفاقه وبذله وكرمه أنه من الأغنياء، حتى إن بعض أصحابه لما طلب منهم قرضًا لشراء منزله، أجابوه بأنا كنا نظن أن عندك مرازيب من ذهب!
ولقد رحل ولم يخلف الكثير من متاع الدنيا!
وكان يسعى سعيًا حثيثًا في قضاء حوائج الأرامل والأيتام وشراء الدور لهم.

اهتمام خاص 

وكان عنده اهتمام ببناء المساجد وصيانتها، وبناء دورات المياه في الأماكن العامة والأسواق القديمة، حتى إنه بنى في منطقة واحدة ثلاث دورات مياه؛ لحاجة الناس إليها. 

وقد جاءه صديقه الشيخ عبدالله الشلاش- رحمه الله- ليشاركه في بناء دورة مياه في حلة القصمان فرفض، وقال: جعلتها خاصة من مالي. فألح الصديق! 
فسأله لماذا تلح على ذلك..؟ قال لقد رأيت في المنام نورًا ينزل عليها، فرجوت أن تكون من العمل الصالح المقبول..! فأردت مشاركتك في هذا الخير.

وكان في آخر أيامه يسعى في بناء دار لتحفيظ القرآن في حي السلام، وقد توفي رحمه الله ولم تكتمل، وكان دائم السؤال عنها.. مع شدة مرضه!

ومن الأعمال التي تميز بها أنه كان حريصًا على زيارة المرضى، خصوصًا فاقدي الوعي، حتى إنه في آخر حياته لما ثقل عليه المشي كان يزورهم بكرسيه المتحرك!
وكذلك كان يحرص على الذهاب إلى تشييع الجنائز، والصلاة عليها، ويتكبد مشقة الوصول إلى المقبرة ليواسي أهل الميت ويعزيهم.

الاهتمام بالعائلة وأنشطتها

العم صالح رحمه الله شارك في المناسبات الخيرية والاجتماعية، وخاصة ما يخص أنشطة أسرة القفاري، وكان مبادرًا في دعمها وحضورها، حتى في أيام مرضه يحرص على حضورها مع مشقة السفر وكبر السن.

وكان على مدى ما يقارب خمسين عامًا حريصًا على حضور لقاءات الأسرة، ويعد أحد أبرز أعيان الاسرة في الدعم بالمال والتشجيع والمشاركة الفاعلة. هذا ما يشهد به الصغير قبل الكبير. 

والأعمال الكثيرة التي يقوم بها شخصيًّا مع عدد كبير من الأسر المحتاجة والمتعففة التي ربما لا نراها، مع ملاطفته للأطفال ومداعبتهم وتوزيع الريالات والخمسات عليهم في كثير من الأوقات.

ومن عجيب أعماله

كان- رحمه الله- يجالد من أجل الحصول على إذن لإدخال المبخرة إلى الحرم وكان يقوم بالتبخير بنفسه، ولم يكن يوجد تقريبًا إلا مبخرته ومبخرة الحرم. وما زالت أوراق الإذن محتفظًا بها حتى وفاته رحمه الله. 

وكان رحمه الله يشتري شنط العود، وينقي منها الطيب ليجعله للحرم. وكان يخلط بعض العطور، ويطيب به المصلين بين صلاة المغرب والعشاء.

ومن أعماله

تفطير الصائمين طوال شهر رمضان والست من شوال.
ومنها: توزيع بطاقات مواد غذائية على المحتاجين، حتى إنه عندما قال له أحد أبنائه: (ما هنا دراهم)، قال: (نتسلف..!!) 
بل إنه كان يستلف ليتصدق. 

وكان يقول: سأترك لكم البركة من بعدي.
 وكان يوصي من حوله بالدعاء والصدقة حتى رحل.

وحق له أن يبكي:

حضر أحد فقراء الحرم من مكة وهو معاق إلى الرياض ليصلي عليه، ويعزي فيه، وهو يقول: (لم أرَ أحدًا مثله في حبه وتواضعه معنا.. حتى إنه كان يحادثني كما لو كنت قرينًا له، وكان يضع لي بعض المال في جيب كرسيي المتحرك، وكانت بناتي إذا وصلت البيت يبحثن في جيب الكرسي، ويقلن ماذا أعطاك أبو راشد..؟ كما أنه سعى في كفالتي ومساعدتي على الدوام) وكان يبكي عليه بكاء مرًّا كما يبكي على والده..!! وحق له أن يبكي.

الشيخ يوسف العطير رجل الأعمال المعروف أرسل ابنه لحضور جنازته، وحضر بعد أيام للتعزية فيه. وكان لا يقدم على أبي راشد أحدًا في مجلسه في مكة والمدينة، ويحضر لزيارته في شقته أيضًا عند قدومه لمكة أو المدينة.

وعندما مرض عرض عليه علاجه في أي مكان بالعالم، والتكفل بذلك. كما عرض عليه أحد المسؤولين الكبار علاجه كذلك، ولكن كان يرفض ذلك ألبتة. و كان يرى العلاج في الداخل والاحتساب والتوكل على الله خيرًا له.

رحيله اليوم يذكرني برحيل والدي ورحيل العم عبدالرحمن الناصر وأمثالهم. لقد كان رحيلهم ثلمة في الأسرة لا تسد.

واليوم أحد أعمدة أسرة القفاري يرحل بعد أن جاوز التسعين أو قريبًا منها، وله من الأبناء راشد رحمه الله، والأستاذ أحمد، والشيخ المحامي عبدالله، وأخواتهم. وهم بإذن الله  خير خلف لخير سلف.
 

يرحل أبو راشد وحال الكثيرين من محبيه ومرتادي مجلسه العامر يقول:

إِذا سَيِّدٌ مِنّا خَلا قامَ سَيِّدٌ 
قَؤُولٌ لِما قالَ الكِرامُ فَعُولُ
ما أُخمِدَت نارٌ لَنا دونَ طارِقٍ 
وَلا ذَمَّنا في النازِلينَ نَزيلُ

رحم الله العم الزاهد صالح بن راشد القفاري والذي توفي ليلة الاثنين 1/4/1442هـ  بمدينة الرياض بعد معاناة مع المرض وهو صابر ومحتسب. نحسبه أنه من أهل الخير، وأقبل على خير، والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا إنما نحن من شهود الله في أرضه.
د. عبدالله القفاري
@DrAlqefari

  1. الاخبار
  2. اخبار السعودية