فزع حقوقي من عنف الشرطة في فرنسا.. تعددت الانتهاكات والقمع واحد

٩ اشهر مضت ٤
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

في تطور وصفه مراقبون بالخطير، تزايد عنف الشرطة الفرنسية المسلط على المهاجرين والصحفيين والمتظاهرين والناشطين، بشكل لافت وكبير في الفترة الأخيرة، الأمر الذي جعل صيحات الفزع تتعالى من قبل الجمعيات الحقوقية ومنظمات المجتمع المدني في فرنسا لوقف هذا النزيف.

وإذا كانت الانتهاكات والضربات والغازات والاعتداءات والهراوات تسقط على رأس الصحفيين والناشطين والمتظاهرين رغم القوانين الكثيرة التي تحميهم، فان فئات هشة أخرى مثل المهاجرين الذين لا يتمتعون بأوراق الاقامة، وطالبي اللجوء والحماية، يتعرضون إلى مضايقات واعتداءات وانتهاكات مضاعفة من الشرطة الفرنسية في غياب قوانين تحميهم.

ويشير باحثون في منظمات المجتمع المدني إلى أن هذه الاعتداءات ممتدة بجذورها إلى سنوات خلت عبر حوادث كثيرة صادمة كقضية أداما تراوري الشاب ذي البشرة السوداء الذي توفي في يوليو/ تموز سنة 2016 في الحجز وتحت تعذيب الشرطة بعد القبض عليه في عملية تحقق من الهويات. وإلى اليوم لم يتم محاسبة الجناة.

وقد تكررت في الفترة الأخيرة مثل هذه الحوادث مثلما لاحظت أغلب منظمات المجتمع المدني، وكان أخرها الاعتداءات التي تعرض لها مجموعة من المهاجرين وطالبي اللجوء، والطريقة الوحشية التي تم بها طردهم من ساحة الجمهورية بباريس وتمزيق خيامهم وكنسهم بطريقة مهينة قال عنها الرئيس إيمانويل ماكرون نفسه انها مخجلة وعار على فرنسا، في حين علق وزير داخليته جيرالد دارمانان على صور طريقة الاجلاء الوحشية بأنها صادمة.

قوات الشرطة تجبر مجموعة من المهاجرين على حمل خياهم والمغادرة في منطقة كالي شمال فرنسا (الجزيرة)

شهادات حية

ولأن ضحايا قمع الشرطة من المهاجرين تتزايد يوميا، ولنقترب من الضحايا أكثر استمعت الجزيرة نت لشهادات أناس تعرضوا للاعتداءات على غرار الشاب والمواطن الفرنسي من أصول افريقية دافيد افيليسيان الذي يقطن في ضاحية من ضواحي باريس الفقيرة.

يقول افيليسيان للجزيرة نت "كنت ضحية لعنف الشرطة كثير من المرات. وكانت المرة الأولى وأنا في سن المراهقة وتعرضت خلالها للتنمر والألفاظ العنصرية بحكم بشرتي السوداء وتم اقتيادي إلى قسم الشرطة والتحقيق معي بطريقة فظة، رغم صغر سني ورغم أنني لم أرتكب أي ذنب، ولكن لأنني أقطن في منطقة شعبية فأنا في نظر الشرطة دائما مذنب ومجرم وأخفي مخدرات أو شيئا ممنوعا في ثيابي، هكذا تفكر كل قوات الشرطة في فرنسا للأسف".

مروجو مخدرات وإرهابيين

ويضيف أفيليسيان في المرة الثانية كنت أسير لوحدي في الشارع وما راعني الا وسيارة شرطة تتوقف جانبي بطريقة استفزازية ثم ودون أن يسألوني أو يطلبوا بطاقة هويتي صعقوني بالصاعق الكهربائي على رجلي وبطحوني أرضا ثم اقتادوني إلى مركز الشرطة حيث تعرضت كالعادة للتنمر والاستفزاز وحين فتشوني ولم يجدوا عندي أي ممنوعات أطلقوا سراحي دون اعتذار.

أما المرة الأخيرة فكانت قبل أسبوع حين اعترضني 3 من قوات الشرطة وهم ينظرون لي نظرات عنصرية استفزازية، ولما لم أسقط في فخ استفزازهم بادرني أحدهم بألفاظ عنصرية متوعدا وحين قلت لهم أن طريقة المعاملة السيئة هذه لا تليق برجال الأمن في فرنسا زادت بطشهم وأحاطوا بي وبدأوا بتعنيفي وما أنقدني منهم الا تجمع بعض المارة حولنا، كما يقول أفيليسيان.

ويؤكد أنه وأبناء جيله من الأحياء الفقيرة يتعرضون كل يوم للاستفزاز والتنمر والعنصرية والتعنيف والمعاملة السيئة من قبل رجال الشرطة. ويختم بقوله للأسف الشديد كون هذه التجاوزات لقوات الأمن لا تمارس الا مع المهاجرين من أصول افريقية وعرب شمال افريقيا والمسلمين بصفة عامة. أننا دائما نصنف عندهم كمجرمين ومروجي مخدرات وارهابيين.

من احتجاجات الفرنسيين في ساحة الجمهورية وسط باريس (الجزيرة)

عنف الشوارع الخلفية

وفي السياق نفسه يؤكد أليون تراوري ممثل جمعية تجمع مهاجرين من دون أوراق، للجزيرة نت أن المهاجرين من دون أوراق وطالبي اللجوء، هم دائما عرضة والتنمر والتعنيف من قبل قوات الشرطة. لأن هذه القوات يستضعفون هؤلاء المهاجرين ويعتبرونهم مواطنين من درجة ثانية.

ويضيف قائلا لقد عشت هذا الرعب والخوف والمعاملة القاسية قبل أسبوعين في ضاحية سان دوني مع مجموعة من المهاجرين وطالبي اللجوء، حين أحاطت بنا الكثير من القوات الأمنية وسيارات الشرطة وتم ضربنا بالهراوات وتفريقنا بالغاز المدمّع بطريقة وحشية ومعاملة أقل ما يقال عنها أنها مهينة رغم أنه كان معنا الكثير من النساء والأطفال الصغار.

وبعد أن تمت ملاحقتنا إلى الشوارع الخلفية تم تركنا في العراء والظلام وعرضة لكل أنواع المخاطر دون شفقة ولا رحمة.

قتل نتيجة العنف

أما كاران ليفي زوجة فيليب داريان الذي قتل سنة 2019 على أيدي قوات البوليس نتيجة العنف المبالغ فيه، فتروي للجزيرة نت قصة زوجها مع عنف الشرطة، قائلة "تعرض زوجي للتعنيف الشديد والتعذيب وقتل على أيدي قوات الشرطة يوم 24 مايو/أيار 2019، بعد أن تعرض له ثلاثة من قوات البوليس ووقع ضربه وصعقه وتكبيل يديه وتعذيبه حتى فقد الوعي ثم توفي.

ورغم أنه كان انسانا هادئا ومواطنا متزنا وليس من أصحاب المشاكل والسوابق، الا ان قوات البوليس استفزته واختلقت له قصة واهية ليبرروا أعمالهم الوحشية. وكان ذلك في ضاحية درانسي التابعة لسان سان دوني.

وتختم شهادتها بالتأكيد على أن عنف الشرطة يضرب كل شيء ويمكن أن يصيب أي انسان مهما كان دينه أو لون بشرته أو جنسيته، مهاجرا كان أو أجنبيا أو فرنسيا، فزوجي فرنسي أبيض البشرة وأنا أيضا مثله ولكنه للأسف قتل تحت التعذيب ونتيجة العنف المبالغ فيه من قبل الشرطة الفرنسية.

أن صوفي فومبيير مسؤولة الحرية في منظمة العفو الدولية بباريس (الجزيرة)

موقف المنظمات الحقوقية

وعن موقف منظمة العفو الدولية بخصوص الطريقة المشينة والعنيفة التي طرد بها المهاجرين من ساحة الجمهورية، قالت إن صوفي فمبيير في تصريح الخاص للجزيرة نت ان المنظمة نددت بالطريقة الوحشية والمشينة التي تعاملت معها قوات الأمن مع هؤلاء المهاجرين الذين ليس لديهم أي ذنب سوى مطالبتهم بمكان يأويهم من برد الشتاء.

وتطالب المنظمة كما تقول، بتوفير حلول عاجلة لهم وايجاد سكن ومأوى يحميهم ويحفظ لهم كرامتهم. مشيرة إلى أن تعامل قوات الشرطة بعنف مبالغ فيه تجاه هؤلاء المهاجرين وطالبي اللجوء والحماية، انما يخبرنا عن الطريقة السيئة وعدم المسؤولية التي تتعامل معها الدولة مع ملف المهاجرين.

ولأنه كان من الأجدر قبل ارسال قوات البوليس بكل عتادهم وقسوتهم، أن يتم التنسيق مع منظمات المجتمع المدني والحوار مع المهاجرين من أجل حل هذه المشكلة سلميا وترحيلهم بكل هدوء من ساحة الجمهورية إلى أماكن توفر لهم أبسط مستلزمات العيش.

وأضافت فومبيير أن الصور القاسية والصادمة والمشينة التي رأيناها وتناقلتها وسائل الاعلام في كل العالم هي صور مسيئة فرنسا، ولمنظماتها الحقوقية والانسانية.

وشددت على أن ضرب المهاجرين وطالبي اللجوء بتلك الطريقة الوحشية واجتثاثهم من تحت خيامهم دون رحمة أو شفقة، وركلهم وضربهم والاستعمال المكثّف للغاز المدمّع لتفريقهم، على مرأى ومسمع من الصحفيين وممثلي منظمات المجتمع المدني، كل هذا يجلب العار لنا جميعا وينبئ بخطر أكبر لظاهرة العنف المتفاقمة.

عنف انتقائي

وعن ظاهرة عنف الشرطة الممنهج تجاه فئات اجتماعية بعينها على غرار العرب المسلمين والافارقة وسكان المناطق الشعبية والضواحي الباريسية الفقيرة، تؤكد فومبيير وجود هذا التوجه قائلة "وثقنا هذه الظاهرة ولاحظنا أن هذا العنف كان في الغالب يوجه ضد المهاجرين والأفارقة أصحاب البشرة السوداء، وضد العرب المسلمين ومهاجري شمال افريقيا".

كما يوجه ضد طالبي اللجوء وفي الأحياء الشعبية التي يكثر فيها المهاجرين والمواطنين الفرنسيين من أصول افريقية في الضواحي الباريسية، وهذا نوثقه وندد به في منظمة العفو الدولية منذ سنوات وسنوات، وليس وليد اللحظة، بحسب فومبيير.

ولأن ظاهرة عنف الشرطة الممنهج لم تضرب العاصمة باريس فقط، وانما هي موجودة في كل أنحاء فرنسا، مثلما يؤكد المراقبون. توجهت الجزيرة نت بالسؤال عن هذه الظاهرة للناشط الحقوقي جون كلود لينوار رئيس جمعية "سلام" والتي تنشط في مدينة كالي شمالي فرنسا (تبعد 295 كلم عن باريس)، والذي قال "في الحقيقة نحن اليوم كفرنسيين نتألم ونشعر بالخجل حين نشاهد مثل هذه المشاهد القاسية ومثل هذه المعاملة السيئة لأصدقائنا المهاجرين الذين غادروا بلدانهم للبحث عن الأمن والسلام والطمأنينة والعيش الكريم، ولم يكونوا يتوقعوا أن يلاقوا مثل هذه المعاملة الوحشية من قوات الشرطة الفرنسية".

ويزيد "نحن نتألم كفرنسيين إلى ما تحولت إليه دولتنا وجمهوريتنا التي خانت مبادئ حقوق الانسان والقيم الانسانية. ونتألم لأن العالم يرانا عبر هذه الصور السيئة التي تنزع قيمة الأخوة والاستقبال الجيد والعدالة وحق التداوي وكل القيم النبيلة التي قامت عليها الثورة الفرنسية والجمهورية".

ويضيف لينوار أن الفرنسيين والأوروبيين حين يسافرون إلى بلدان شمال افريقيا والشرق الأوسط والبلدان الافريقية يسعدون كثيرا بالاستقبال الحسن والابتسامة والكرم الكبير الذي يجدونه من شعوب هذه الدول. ويخلص إلى أنه لابد لدول الشمال الغنية مثل فرنسا أن ترد بعض هذا الدين لهؤلاء المهاجرين وتستقبلهم استقبالا حسنا ولا تهينهم مثلما وقع في حادثة ساحة الجمهورية في باريس.

ظروف عيش قاسية للمهاجرين وسط محاصرة قوات الشرطة (الجزيرة)

تشكل الدولة البوليسية

وعن توثيق جمعية "سلام" لشهادات لمهاجرين تعرضوا للتعنيف من قبل قوات الأمن يشدد لينوار أن هذا أصبح من تقاليد عمل الجمعية التي توثق كل يوم هذه التجاوزات والقمع والتعنيف من قبل قوات الشرطة. وتندد به وتحاول التحسيس بخطورته.

وأشار إلى أنهم يتلقون يوميا شكاوى وشهادات من مهاجرين تعرضوا لحالات اعتداء لفظي وجسدي ومعاملة قاسية وتنمر وعنصرية مورست عليهم من قبل قوات الشرطة الفرنسية، التي تعتبر التعدي على الغريب الأجنبي حق مشروع لا يعاقب عليه القانون، على حد قوله.

ويختم الناشط جون كلود لينوار تصريحه للجزيرة نت متسائلا "هل حقا نعيش نحن وممارسي هذا العنف الوحشي على المهاجرين، في نفس العالم؟ وهل حقا نعيش مع هؤلاء الحكام في نفس الكون؟".

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية