الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية.. كيف كشف الفن التشكيلي عن وهم حرية التعبير؟

٩ اشهر مضت ٥
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

"الستار الحديدي"؛ هذا هو الوصف الذي أطلقه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل (1874-1965) في مؤتمر صحفي له في كلية وستمنستر في فولتون، ولاية ميسوري، في الخامس من مارس/آذار عام 1946، لوصف الحالة التي وصلت إليها أوروبا الشرقية تحت هيمنة السوفييت. وقد اكتسبت عبارة "الستار الحديدي" شعبية بالغة باعتبارها إشارة مختصرة لتقسيم أوروبا مع اشتداد قوة الحرب الباردة، فقد كان الستار الحديدي بمنزلة سجن خلقه الاتحاد السوفيتي لحبس الناس والمعلومات داخل حدوده على حد وصف تشرشل(1).

ورغم أن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة قاتلا ألمانيا النازية بوصفهما حلفاء في الحرب العالمية الثانية، فإن كلتا الكتلتين اندفعتا لملء الفراغ الذي خلّفته هزيمة هتلر. وقد كان السؤال آنذاك مَن الذي سيتحكّم في إعادة إعمار أوروبا بعد الحرب؟ هل سيُعاد بناؤها لتعكس الرأسمالية الديمقراطية على الطريقة الأميركية أم الاشتراكية السوفيتية؟ وهنا بالتحديد انقلبت العلاقة التي كانت تربط الدول المنتصرة بوصفهم حلفاء وتحوَّلت إلى معركة حامية الوطيس فيما بينهم في إطار سعيهم الحميم للفوز بإعادة إعمار أوروبا، تلك المعركة هي ما تُعرَف تاريخيا باسم "الحرب الباردة"(2).

وبحلول عام 1948، صارت الحرب الباردة أمرا واضحا، فقد كان الاتحاد السوفيتي مُصِرًّا على الحفاظ على السيطرة على أوروبا الشرقية لمنع أي تهديد مستقبلي مُحتمَل من ألمانيا. وفي المقابل، عزم الغرب بقيادة الولايات المتحدة على الحد من انتشار النفوذ السوفيتي. وفي النهاية، بات جليا أن الحرب الباردة هي معركة أيديولوجيات بين الاتحاد السوفيتي الشيوعي والغرب الرأسمالي، وبما أنه لم يحدث قتال مادي بين أيٍّ من الجانبين على أرض الواقع، فقد تجلَّت "الحرب" بين القوتين العظميين إلى حدٍّ كبير في المجالات كافة التي تُؤثِّر على الرأي العام بما فيها الفن بوصفه مجالا دعائيا(3).

ويليم دي كونينج – شارع غانيسفورت ، 1949

وقد كان الاختلاف الأكبر بين كيفية استخدام الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة للفن وسيلةً للدعاية هو الأسلوب الذي اعتمدته كل كتلة من الكتلتين. على سبيل المثال، وُصِف الفن المُستخدَم كدعاية في الكتلة الشرقية الشيوعية إلى حدٍّ كبير بالواقعية الاشتراكية، التي تضمَّنت العمل الذي يعرض محتوى سياسيا واقعيا بأسلوب بطولي(4)، وتتجلّى في كلٍّ من الملصقات الدعائية وكذلك اللوحات المعروضة في المتاحف والمعارض السوفيتية. وقد احتوت هذه القطع على العديد من العناصر المتشابهة، مثل الصور المثالية للفلاحين والجنود التي أُطِّرَت بتفاصيل زراعية مثل الحبوب والأوراق وأدوات الزراعة، التي مَثَّلت فضل الريف والقوة والأمن اللذين تُوفِّرهما الحكومة السوفيتية الشيوعية(5).

في المقابل، دعم الغرب الرأسمالي، برعاية الولايات المتحدة، الفن القائم على حرية التشكيل والتعبير. وقد كان فنانون مثل جاكسون بولوك ومارك روثكو وألكسندر كالدر موضع تقدير من قِبَل حكومة الولايات المتحدة بسبب تبنّيهم للحركات التجريدية الطليعية. وعليه، فقد عزَّزت حكومة الولايات المتحدة إنتاج الفن التجريدي مُدَّعية أن الرأسمالية عزَّزت حرية التعبير والتقدُّمية التي كان الاتحاد السوفيتي يفتقر إليها(6).

وجديرٌ بالذكر أن الحكومات الغربية دعمت أسلوب العمل الفني الذي ابتكره التعبيريون والتجريديون، كما شجَّعت ميلهم إلى رسم اللوحات التي لا تتبع أسلوبا محددا سابقا، ظنًّا منها أن التعبيرية التجريدية ستُثبِت أن الولايات المتحدة لم تكن صحراء جرداء على المستوى الثقافي كما اتّهمها الاتحاد السوفيتي(7).

"لقد كانت الحرب الباردة معركة حامية الوطيس من الصور والمعلومات".

(مارشال ماكلوهان)(8)

في عام 1964، ونظرا لعدم وجود مواجهات عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة والسوفييت، بخلاف الحروب بالوكالة مثل فيتنام وأفغانستان، شُنَّ الصراع إلى حدٍّ كبير على مستوى جمع المعلومات الاستخبارية والتمثيلات الإعلامية على حد تعبير الفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان (1911-1980)، الذي أحدثت نظرياته في وسائل الاتصال الجماهيري جدلا كبيرا في تلك الحقبة. وعلى حد رأي ماكلوهان، فإن الجهود الدعائية من كلا الجانبين كانت لإقناع العالم، وربما حتى لإقناع أنفسهم، بمدى صحة مساراتهم التاريخية وحتميتها(9).

الرأي نفسه وقف عليه مؤرخ الحرب الباردة جون لويس جاديس عندما قارن الصراع بمسرح "لم يكن التمييز بين الأوهام والواقع فيه واضحا دائما"، فقد كانت معظم القطع الفنية تخدم غايات أيديولوجية في كلا الجانبين. كما أن العديد من الأعمال الفنية من تلك الفترة وضَّحت أن الستار الحديدي موجود في كلا الجانبين، وأن قسمة تشرشل للعالم بين رأسمالي ليبرالي بوصفه خيرا مطلقا وشيوعي سوفيتي بوصفه شرا مطلقا ما هي إلا قسمة ثنائية فجّة وخطيرة للغاية ابتدعتها الحرب الباردة، وهذا ما أثبتته وثائق وتسريبات لاحقة عدة(10).

على اليمين، "التركيب الأحمر" للرسّام التجريدي الأميركي جاكسون بولوك (1946)، وهي أحد أعماله المبكرة في فترة الحرب الباردة، واللوحة مرسومة بأسلوب التقطير الذي اعتمده بولوك نهجا تجريديا للتعبير عن "الحرية"، وستعرض دار مزادات كريستيز الشهيرة اللوحة في مزاد علني بسعر يبدأ من 12 مليون دولار أميركي وقد يصل إلى 18 مليون دولار في نهاية 2020(11).

"كان بولوك مستمتعا بخيوط الطلاء المتدفقة تلك، وقد أعلنت اللوحة عن وصوله وقيادته للمدرسة التجريدية بتركيبة جريئة ولوحة حمراء نابضة بالحياة".

(باريت وايت، نائب رئيس كريستيز التنفيذي)(12)

على اليسار، "الحرية المطلقة"، 1944، للرسّام الروسي ألكسندر دينيكا (1899-1969)، وهو أحد أهم الرسامين التشكيليين السوفييت. وفي اللوحة عدد من الفتيات يركضن تحت ضوء الشمس في مراعٍ خضراء ويبدو عليهن الحيوية والنشاط. تنتمي اللوحة للواقعية الاشتراكية التي اتبعها دينيكا، حيث نزع إلى إظهار التمثيلات المثالية للأجساد الصحية والرياضية في أعماله، فقد كان العمال والجنود والفلاحون والرياضيون جميعهم أبطال البروليتاريا الواقعين تحت دائرة الضوء وفقا للواقعية الاشتراكية(13).

فبعد أن حصل جوزيف ستالين على السلطة في الاتحاد السوفيتي، في عام 1927، تغيّر نمط الحياة الفنية كليا. فقد كان الفن منوطا به تصوير المجتمع الاشتراكي المثالي، وقد كانت الموضوعات المُفضَّلة في تلك الفترة هي تلك التي تتناول العمال البروليتاريين والحرب البطولية للجنود الشجعان وتصوير الجسد المثالي الصحي للسكان بفضل السياسات الشيوعية السوفيتية التي خلقت يوتوبيا مثالية ينعم فيها السكان بأجسام وعقول صحية، وقد صوَّرهم دينيكا مرارا وتكرارا في أعماله، ولهذا السبب يُنظر إليه على أنه أحد الممثلين الرئيسيين للواقعية الاشتراكية السوفيتيّة(14).

هل تستحق لوحة بولوك أعلاه، أو أيٌّ من لوحاته التي لا تختلف عنها شكلا ومضمونا، هذا السعر الخرافي حقا؟ تُجيب الكاتبة البريطانية فرانسيز سوندرز، في كتابها "مَن دفع للزمّار؟"، الصادر عام 1993، عن هذا السؤال بشكل مختلف عن كل النقاد الذين دعموا أو رفضوا التجريدية. والإجابة هنا ليست فلسفية أو نقدية فنية، بل "سياسية" في المقام الأول، حيث وثَّقت ساندرز بالأدلة كيف خلقت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه) هي الأخرى ستارها الحديدي في الحرب الباردة(15).

فالوكالة لم تترك أي مجال يحتمل أن يحتوي بذرة أفكار شيوعيّة، وحسبما أوردت ساندرز في كتابها فإن الوكالة في سبيل ذلك نَكَّلت بقيم حرية الرأي أو التعبير كافة التي تَدَّعيها الكتلة الرأسمالية، كما أن الوكالة قد وضعت سياسات صارمة بقبضة حديدية في حربها على الشيوعية. وبالفعل حُورِبَ الفن التصويري الواقعي بالفن التجريدي، وموّلت في سبيل ذلك معارض عالمية وحملات دعائية تُنظِّر للفلسفة التجريدية التعبيرية، ورفعت شأن رسامين بعينهم، منهم طبعا رائد التجريدية الأميركي جاكسون بولوك(16)!

"إن أكثر أنواع الدعاية فعالية هي تلك التي يتحرك فيها الهدف في الاتجاه المرسوم له وهو يظن أن ما يُحرِّكه هي أفكاره وآراؤه الشخصية".

(ساندرز، مَن دفع للزمار؟)(17)

رغم أن المتابع العام للسياسة الدولية قد يظن أن الحرب الباردة انتهت رسميا بين روسيا والولايات المتحدة منذ نهاية القرن الماضي، حتى مهما بلغت التصريحات الساخنة المتبادلة بينهما حِدَّة، فإن متابعة سريعة في أروقة الفنون والآداب تكشف أن الأمور لم تتغير على الإطلاق، بالعكس، لا تزال الكتلة الرأسمالية الليبرالية مُهيمنة على عالم الآداب والفنون.

على سبيل المثال، أحكمت الرأسمالية قبضتها على معارض الفن وسوق اللوحات، وسدَّت الطريق أمام رسامين لا يخدمون السياسات الثقافية نفسها منذ الحرب الباردة، ويظهر ذلك جليا بالنظر في قائمة أغلى 20 لوحة في العالم التي لا تضم أي رسّام روسي يتبنّى سمات المذهب الواقعي. الأكثر من ذلك أن الرسّام الروسي الوحيد الذي تضمه القائمة هو رسام تجريدي تعبيري، رغم وجود رسّامين روس عدة لم يكن لهم أي ارتباط بالحقبة السوفيتية أصلا أمثال إيفازوفسكي وشيشكن(18).

وفي الوقت الذي بيعت فيه لوحة "رقم 6 (البنفسجي والأخضر والأحمر)"، 1951، الموجودة على اليمين للتعبيري التجريدي الأميركي مارك روثكو، بمبلغ 186 مليون دولار أميركي في 2014، ظلّت أعمال عمالقة الفن التشكيلي الروسي مثل "حطام سفينة"، 1865، للرسّام إيفان إيفازوفسكي محدودة في التداول والأسعار وبالتالي في الشهرة على المستوى العالمي(19).

على المنوال نفسه، تُعتبر لوحة "التركيب الفائق (مستطيل أزرق فوق الشعاع الأحمر)"، على اليسار، والمرسومة عام 1916، للرسام كازيمير ماليفيتش، والمعروف برائد "التجريد الهندسي"، واحدة من أغلى اللوحات في العالم. وفي عام 2018 بيعت في مزاد كريستيز مقابل 85.8 مليون دولار، وهو أعلى سعر دُفِع مقابل لوحة في تاريخ الفن الروسي قاطبة(20).

وعلى اليمين، لوحة "غابة خريفية"، 1876، للرسّام الواقعي الروسي إيفان شيشكن الذي اكتسب شهرة شعبية واسعة للغاية بسبب لوحاته الواقعية للطبيعة، حيث اعتمد أسلوبه على التحليل الدقيق للمشاهد محل الرسم. مع ذلك، فإن شيشكن شأنه شأن إيفازوفسكي لم يحظَ بشهرة عالمية رغم شعبيته المحلية الواسعة وعدم ارتباطه أصلا بالحكم السوفيتي، كذلك فإن أسعار لوحاته لا تتجاوز، هو وإيفازوفسكي، بضعة آلاف من الدولارات(21).

ويمكن القول إن الفنون التشكيلية الروسية ظلَّت حتى يومنا هذا غير مُرحَّب بها في مزادات الفن التشكيلي العالمية رغم جودة لوحاتها وافتراض انتهاء الحرب الباردة، لكن لا تزال الرأسمالية باسطة قبضتها على معارض الفن وسوق اللوحات عالميا، وسدّت الطريق أمام رسامين شديدي المهارة لمجرد أن لوحاتهم لا تصب في صالح أجندة سياسات الرأسمالية.

———————————————————————————————

المصادر

 Address given by Winston Churchill: ‘The Sinews of Peace  Cold War: Summary, Combatants & Timeline – HISTORY  Art and Politics in Cold War America – jstor  Role of Art in the Cold War – Stanford University المصدر السابق. المصدر السابق. المصدر السابق.  How Art Shaped Politics In Cold War المصدر السابق. المصدر السابق.  Christie’s To Offer Jackson Pollock’s ‘Red Composition’ المصدر السابق.  How Russian art ranged from avant-garde to idealized socialist realism المصدر السابق.  قراءة في كتاب “من الذي دفع للزمار- الحرب الباردة الثقافيّة” – كنعان المصدر السابق.  Saunders, Frances Stonor. The Cultural Cold War: The CIA and the World of Arts and Letters. New Press 2000.  The 20 Most Expensive Paintings In the World 2020  List of most expensive paintings  Suprematist Composition المصدر السابق.
  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية