عمرها 135 عاما.. مكتبة جيبار في باريس ضحية للتجارة الرقمية وغلاء الإيجارات

٢ اسابيع مضت ١٩
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

ليست أزمة كورونا هي المتسبب في إغلاق مكتبة جيبار جون، ولكن ارتفاع وغلاء الإيجارات في السنوات الأخيرة، فضلا عن ازدهار تجارة الكتب عبر الأنترنت والثقافة الرقمية

إذا كان الكاتب الأرجنتيني العالمي خورخي لويس بورخيس تخيل الفردوس على شكل مكتبة، فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن الحي اللاتيني في باريس الذي يعج بالمكتبات القيّمة التاريخية، قد فقد في شهر مارس/آذار الماضي، أحد أهم فراديسه التاريخية المميزة ونقصد بذلك مكتبة جيبار جون Gibert Jeune، التي بإغلاقها نهائيا تطوي صفحة ناصعة من تاريخ واحدة من أعرق المكتبات الفرنسية التي امتدت على مدى 135 عاما.

خبر الإغلاق النهائي لـ4 من مكتبات جيبار جون في ساحة سان ميشال Saint-Michel السياحية، أعلنته مجموعة جيبار الرائدة في عالم الكتب والمكتبات، التي تأسست في القرن الـ19 في الحي اللاتيني بباريس، وقد نزل الخبر كالصاعقة على محبي المكتبات المختصة في الكتب القديمة.

الفردوس المفقود في الحي اللاتيني

على الضفة اليسرى لنهر السين، يحتضن الحي اللاتيني الذي أسست فيه جامعة السوربون في القرن الـ13، عشرات المكتبات، من أصغرها المتخصصة في القانون أو الأدب الكندي أو الأدب الإنجلوسكسوني أو التي تبيع كتبا بأسعار منخفضة، إلى أكبرها على غرار متجر جيبار جون المؤلف من 6 طوابق في جادة سان ميشال. ويظهر هذا الإغلاق الصعوبات التي يواجهها قطاع المكتبات جراء ارتفاع أسعار الإيجار والعقارات، خاصة في الحي اللاتيني قلب المعرفة منذ العصور الوسطى.

وقال أحد الموظفين البالغ عددهم 69 والذين ستلغى وظائفهم نهائيا، في تصريحات إعلامية سابقة لبعض وسائل الإعلام المحلية، "إنه أمر قاس، لكننا لم نتوقع أن نصمد 10 سنوات".

في العام 2020، أفرغ وباء كورونا ساحة سان ميشال الشهيرة من السياح، ثم باع برونو جيبار الرئيس السابق لمجموعة جيبار، المبنى الذي يضم أكبر مكتبة فيها.

مكتبة جيبار جون  في سان ميشال أغلقت نهائيا بالتزامن مع اشتداد وتيرة الجائحة وصعوبات مادية (الجزيرة)

لكن اليوم، ومع وجود عدد كبير من المتاجر التي افتتحت على طول هذا الشارع الذي يربط ضفتي نهر السين بالسوربون، أصبح "مركز الجذب" هذا بمثابة "وسط مدينة إقليمي" كما قال بائع كتب لدى "بولينييه"، وهي مكتبة تاريخية في هذا الحي.

وبسبب ارتفاع الإيجارات، اضطرت هذه المكتبة العريقة التي أسست في القرن الـ19 في الشارع نفسه، إلى نقل مقرها الرئيسي إلى أماكن أكثر تواضعا الربيع الماضي.

وقال المدير العام لمجموعة جيبار Gibert مارك بيتوري في تصريحات إعلامية سابقة، أن المجموعة تدرس فتح مكتبات بمساحة "أقل من 150 مترا مربعا" في المناطق الباريسية النائية في باريس وربما في الضواحي، لكن "أولا يجب معالجة المسألة الأساسية المتمثلة في كلفة الإيجارات".

ركزت المكتبات في جادة سان ميشال والحي اللاتيني على بيع الكتب القديمة فضلا عن الكتب المدرسية والجامعية، لكنها واجهت في السنوات الأخيرة منافسة من المواقع الإلكترونية المتخصصة في بيع الكتب ومن "أمازون"، مما أدى إلى انخفاض عددها بنسبة 43% خلال 20 عاما، وفقا للأرقام التي صرحت بها جمعية "أبور" "APUR" غير الربحية عن الدائرتين الخامسة والسادسة، لوسائل اعلام محلية.

وما زال الحي اللاتيني، مركز الانتفاضة الطلابية في مايو/أيار 1968، موقعا جامعيا رئيسيا في العاصمة، لكن أقل من 10 آلاف طالب يقيمون هناك حاليا، وفق المعهد الوطني للإحصاءات والدراسات الاقتصادية. وبوتيرة بطيئة، تحول وسط باريس المرموق والأقل كثافة سكانية، إلى السياحة، فيما انتقلت الكليات الباريسية إلى الضواحي. كما أوضح فرانسوا مورت الأخصائي في التنمية الحضرية في جمعية "أبور"APUR".

وبغية الحفاظ على "التجارة الثقافية" و"وقف تدهورها"، اقترحت سلطات المدينة إيجارات أقل بقليل من أسعار السوق وإعادة تموضع مع التركيز على نموذج ناجح. مكتبات محلية صغيرة يمكنها أيضا تقديم المرطبات، وفقا للمسؤولة المحلية أوليفيا بولسكي.

ففي باريس، كما في سائر أنحاء البلاد، مكتبات الأحياء العامة هي التي تمنح الأمل للقطاع.

ووفقا لنقابة المكتبات الفرنسية، استأنفت المكتبات المستقلة نموها منذ العام 2017 رغم انخفاض طفيف في العام 2020، بنسبة 3.3% بسبب "3 أشهر من الإغلاق" كجزء من التدابير الوطنية لمكافحة فيروس كورونا.

ووفق أرقام نقابة المكتبات الفرنسية للعام نفسه، فإن واحدة من كل 5 مكتبات تراجعت مبيعاتها بنسبة تزيد عن 10%. وكلما زاد حجم المكتبة، زاد تعقد وتراجع النشاط. وبالتالي وفقًا لبيانات النقابة، فإن المكتبات التي يزيد حجم مبيعاتها السنوية عن 4 ملايين يورو تشهد انخفاضًا في المتوسط ​​بنسبة 9%.

في المقابل فإن المتاجر الصغيرة التي يقل حجم مبيعاتها عن 300 ألف يورو سنويا، هي التي حققت أكبر تقدم حيث ارتفعت مبيعاتها بنسبة 15% العام الماضي.

خسارة فادحة للثقافة والاقتصاد

من جانبه، قال الرئيس السابق لقسم اقتصاد الكتاب بإدارة الكتاب والمطالعة بوزارة الثقافة، والرئيس الحالي لنقابة المكتبات الفرنسية غيوم هوسون، للجزيرة نت، إن كل إغلاق لمكتبة هو دائمًا خبر حزين وخسارة فادحة من وجهة نظر ثقافية واقتصادية واجتماعية، وخاصة حينما يكون رمزًا حضاريا وتاريخيا، وتم إنشاؤه من فترة طويلة كما هو الحال مع مكتبات جيبار جون Gibert Jeune.

ويضيف "مع ذلك لا تمتلك نقابة المكتبات الفرنسية معلومات اقتصادية ومالية دقيقة عن هذه الشركة، حيث يتمثل دورنا الأساسي كنقابة في إدارة القضايا الجماعية لمهنة بائعي الكتب والمكتبات وعدم التدخل في المواقف والقرارات الفردية لأصحابها".

مكتبة مفتوحة قرب جامعة السوربون في باريس (الجزيرة)

وأردف بقوله "بصفة عامة، عانت مكتبات جيبار جون بلا شك من تراجع مبيعات الكتب المدرسية والجامعية التي تخصصت فيها، وذلك نتيجة المنافسة الكبيرة من البيع الرقمي والإنترنت في سوق الكتب القديمة. فضلا عن الانخفاض الحاد في المبيعات والنشاط الذي لوحظ في السنوات الأخيرة نتيجة الاحتجاجات والمظاهرات في ساحة سان ميشال والأحياء المجاورة. وطبعا لا يمكن أن ننسى التأثيرات السلبية الكبيرة للأزمة الصحية الحالية التي أدت إلى انخفاض كبير في عدد السياح ورواد الحي اللاتيني، مما أدى الى فقدان المكتبات الكبيرة مثل جيبار جون، إلى الكثير من الحرفاء المهمين والمولعين بشراء الكتب القديمة حول العالم".

وأما ميشال صاحب كشك الصحف والمجلات المستقر على بعد خطوات فقط من مكتبة جيبار جون، فقد أعرب عن أسفه الشديد لفقدان هذا المعلم الثقافي التاريخي الذي يعد أحد رموز ساحة سان ميشال والحي اللاتيني، وقال للجزيرة نت "منذ قدومي لهذا الحي واستقراري في هذا المحل في ساحة سان ميشال قبل 12 سنة، ارتبطت بعلاقة صداقة جميلة مع أغلب الموظفين في مكتبة جيبار جون وتعمقت معرفتي بهم وبالكتب القديمة التي يبيعونها. إنها خسارة كبيرة على المستوى الشخصي، وعلى المستوى الثقافي الوطني، لما تمثله هذه المكتبة من كنز حقيقي لطلاب المعرفة من شتى المجالات".

وأضاف "عكس ما يعتقد البعض ليست أزمة كورونا هي المتسبب في إغلاق مكتبة جيبار جون، ولكن ارتفاع وغلاء الإيجارات في السنوات الأخيرة في المنطقة هو السبب الرئيسي، فضلا عن ازدهار تجارة الكتب عبر الإنترنت والثقافة الرقمية لدى أغلب أجيال اليوم. ولا يخفى على أحد سيطرة مؤسسات رقمية عملاقة مثل أمازون على تجارة الكتب وغير الكتب اليوم، نظرا لانخفاض أسعارها وسرعتها في التوزيع.

وقال ميشال إن مكتبة جيبار جون ومثيلاتها من المكتبات في الحي اللاتيني تعاني منذ سنوات وليس اليوم فقط، ولكن الإغلاق النهائي لهذه المكتبة صادف فترة تعمق الأزمة الصحية.

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية