في أزمة سد النهضة.. كيف تستفيد مصر من التجارب الدولية والإقليمية؟

١ شهر مضت ٢٥
تطبيق الاخبار للجوال تابعنا على اخبار قوقل

القاهرة – مع بداية الألفية الجديدة شهدت منطقة حوض النيل نزاعات كبيرة بسبب السباق نحو الحصول على الطاقة من بناء السدود كان أبرزها أزمة سد النهضة الإثيوبي وأضراره على دولتي المصب مصر والسودان، غير أن عدة تجارب دولية وإقليمية قد تكون فرصة للخروج من هذا المأزق لدول الإقليم، وعلى رأسها مصر.

وتوجد في العالم نحو 300 من أحواض الأنهار العابرة للحدود، إضافة إلى 100 بحيرة وعدد كبير من الخزانات الصخرية للمياه الجوفية، تشترك فيها جميعا أكثر من دولة، مما جعل الموارد المائية سببا رئيسيا في النزاعات الإقليمية في العقود الأخيرة، وفق تقارير أممية.

وللتغلب على هذه النزاعات بعيدا عن الأعمال العسكرية المختلفة سعت دول العالم إلى عقد مئات المعاهدات.

وكان نهر النيل من بين هذه الأزمات التي صعدت بقوة إلى سطح المناقشات الدولية في الآونة الأخيرة، في ظل الفشل في التوصل إلى حل يرضي ثلاثي أزمة سد النهضة الإثيوبي (مصر والسودان وإثيوبيا).

وترصد الجزيرة نت -اعتمادا على تقارير أممية ودراسات دولية وأوراق بحثية ومقالات متخصصين– أبرز التجارب الدولية والإقليمية التي قد تستفيد منها مصر في أزمة سد النهضة، وذلك من خلال الخبرات السابقة في بعض أحواض الأنهار الدولية والعابرة للحدود، وبعضها تم حله بطرق سلمية مستدامة إلى حد ما، والآخر تم الفصل فيه، لكن الأزمات تعاود الظهور من وقت لآخر.

ويمكن رصد أهم الإفادات من تلك التجارب الدولية كالتالي:

استمرار التفاوض بهدف التسوية اللجوء إلى طرف ثالث التحكيم الدولي واللجوء لمحكمة العدل الدولية إقناع إثيوبيا بالمخاوف المصرية من خلال سلسلة امتيازات يمكن أن تحققها في حال التوصل إلى اتفاق ودي تشكيل مفوضية إقليمية تحقق التنمية المنشودة لدول حوض النيل.

حوض الفولتا

وهو حوض عابر للحدود في أفريقيا ظل لسنوات دون ترتيبات قانونية أو مؤسسية، وتقع أكثر من 80% من مساحة هذا الحوض داخل جمهوريتي بوركينا فاسو وغانا.

وفي عام 2008 تأسست هيئة حوض نهر الفولتا، وتضم 6 دول هي: بنين، وساحل العاج، ومالي، وتوغو، إضافة إلى بوركينا فاسو وغانا.

وتتبادل الدول المتشاطئة لحوض الفولتا البيانات والمعلومات للحد من آثار الفيضانات، مما يساهم في إثراء قاعدة البيانات الهيدرولوجية لدول الحوض، وهي عملية بدأت منذ عام 2012 وتعرف بـ"فولتا هيكوس".

نهر السند

هناك نزاع قديم حول نهر السند بين الهند وباكستان، وفيه استطاعت الدولتان التوصل إلى حل عبر البنك الدولي من خلال معاهدة السند عام 1960، حيث جرى تقسيم 6 روافد تتبع النهر بين البلدين.

ونصت معاهدة السند على أن كل طرف يوافق على أي استخدام غير استهلاكي يجب أن يجري على نحو لا يحدث تغييرا جوهريا يضر باستخدامات الطرف الآخر.

وبموجب المعاهدة أيضا، يتعين على الهند تقديم بيانات في حالة "الفيضان الاستثنائي" كل 3 أشهر للأنهار الشرقية الثلاثة التي هي من حصة نيودلهي.

كما نجح التحكيم الدولي في حل نزاعين بين الهند وباكستان في الألفية الجديدة، الأول كان عام 2013 في نزاع "كيشانجانجا"، حيث أثارت القضية باكستان ضد الهند بسبب بناء الأخيرة مشروع سد للطاقة الكهرومائية على رافد نهر السند، والآخر نزاع "باجليهار" الذي تم حله عام 2007 بسبب بناء الهند مشروع باجليهار للطاقة الكهرومائية على رافد آخر للنهر ذاته.

وسبق أن طرح وزير الري المصري الأسبق نصر علام فكرة الاستفادة من التجربة الهندية الباكستانية في مسألة المياه، قائلا في تصريحات صحفية إنه رغم الخلافات التاريخية بين البلدين أمكن التفاهم على بناء سد يراعي حقوق كافة الأطراف، إلا أن الاتفاق كان يعني حفظ حقوق الجميع وعدم الإضرار والالتزام بالقانون الدولي.

ميكونغ والأمازون

نزاع نشب في حوض نهر ميكونغ بين دول تايلند وفيتنام ولاوس وكمبوديا، وتم الاتفاق على تشكيل مفوضية في تسعينيات القرن الماضي معنية بتحقيق التنمية المستدامة والاندماج الإداري لمصادر المساقط المائية.

وبفضل المفوضية تمكنت دول الحوض من التطور، إذ أصبحت تايلند في طور الدول النامية، فيما حققت كل من فيتنام ولاوس وكمبوديا تقدما ملحوظا في التنمية الاقتصادية بالإقليم.

والأمر ذاته ينطبق مع نهر الأمازون الذي توجد منذ عام 1960 هيئة للاستغلال الاقتصادي تخص المياه والغابات والزراعة وتشترك فيها البرازيل وكولومبيا وبيرو والإكوادور وفنزويلا وبوليفيا.

وفي أميركا الشمالية، تتقاسم الولايات المتحدة وكندا العديد من الأنهار وعددا من أكبر البحيرات في العالم، وتستهدف اللجنة -التي أنشئت عام 1909 بموجب المعاهدة الخاصة بالمياه المحاذية- مساعدة حكومتي البلدين على إيجاد حلول للمشكلات المتعلقة بمياهها المحاذية.

حوض النيل

يذكر أن قادة دول حوض نهر النيل سبق أن بادروا إلى الاتفاق على تدشين مبادرة حوض النيل، لتوزيع الموارد المائية وفقا لمبادئ القانون الدولي للمياه، والتي ترتبط بالتوزيع المنصف والعادل للموارد المائية بين كل دول الحوض.

وهذه المبادرة كانت تعد مرحلة انتقالية وخطوة نحو طريق إنشاء مفوضية حوض النيل، لتكون أشبه بالمنظمة الإقليمية الدائمة والمستمرة، غير أنه لم يتم التوافق عليها نظرا لوجود اختلافات حول نقاط متعلقة بالإخطار المسبق وعدم الضرر بدولتي المصب (مصر والسودان).

ووقعت دول الحوض (11 دولة بعد استقلال دولة جنوب السودان) منفردة في غياب دولتي المصب (مصر والسودان) على الاتفاقية الإطارية لحوض النيل من أجل تكوين المفوضية.

وسبق أن دعا الباحث المتخصص في النزاعات الدولية والعلاقات الاقتصادية إبراهيم نوار القاهرة والخرطوم إلى ضرورة التوقيع على اتفاقية مبادرة حوض النيل، مشيرا في مقال سابق إلى أنها تمثل إطارا قانونيا معترفا به أفريقيا.

وقال نوار إن التوقيع على القانون الدولي للأنهار وعلى اتفاقية الإطار التعاوني لمبادرة النيل من شأنه أن يضع المطالب المصرية والسودانية بشأن سد النهضة على أرضية قانونية سليمة، ويبرر للدولتين حق استخدام الوسائل الأخرى كافة في حال عدم انصياع إثيوبيا للقانون الدولي.

سيحون وجيجون ولابلاتا

نزاع في نهري سير داريا وآمو داريا (سيحون وجيجون) بين دولة المنبع روسيا (فترة الحكم السوفياتي) ودولتي المصب أوزبكستان وكازاخستان.

ومر النزاع عبر آليات تفاوض حول تبادل المنفعة بالمقايضة على الحصول على أنظمة التدفئة وتسعير المياه، إلا أن هذا الانسجام والتوافق تغير بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتسبب في أزمات شاركت فيها دول مشاطئة أخرى لنهر سير داريا.

كما نشب نزاع في حوض نهر لابلاتا في أميركا الجنوبية بين باراغواي والبرازيل، وجرى حله عبر معاهدات ثنائية وأخرى متعددة الأطراف وأخرى للربط الكهربائي.

كما كان هناك خلاف بين البرازيل والأرجنتين بشأن توزيع الموارد المائية تم احتواؤه حين نجحت الأرجنتين في الحصول على قرار أممي للحصول على معلومات نظام الإخطار المسبق.

وفي سياق الإفادة المصرية من تجربتي آسيا الوسطى وأميركا الجنوبية السابقتين يمكن للقاهرة -عبر تفعيل وتنشيط آلياتها الدبلوماسية- الحصول على قرار من الأمم المتحدة يقر حقها في الحصول على المعلومات التي تحتاجها حول ملء وتشغيل السد الإثيوبي.

كما يمكن أن تطرح إمكانية مشاركة الكهرباء مع إثيوبيا أسوة بالتدابير التي سبق أن اتخذتها مع بلدان أخرى، بينها السودان، إضافة إلى إشراك طرف ثالث كالبنك الدولي في تمويل محطات الكهرباء الإثيوبية، مما قد يكون من شأنه المساعدة في تجاوز الانسداد الذي وصلت إليه مفاوضات سد النهضة.

وقد يمكن الربط الكهربائي بين مصر والسودان وإثيوبيا، من إبطاء وتيرة ملء خزان بحيرة السد إلى أن يتسنى للدول الثلاث التوصل إلى اتفاق، في ظل حاجة إثيوبيا للكهرباء وحاجة مصر للمياه، ورغبة السودان في الحفاظ على منشآته المائية وعدم غرق مناطقه المشاطئة على طول النيل الأزرق، وهي تصريحات طرحها سابقا برلمانيون ووزراء سابقون.

نهر الأردن

نزاع على نهر الأردن بين الأردن وإسرائيل وقع عام 1955، ورغم حالة الحرب السائدة في ذلك التوقيت مع الاحتلال الإسرائيلي جرت تفاهمات بينهما بوساطة أميركية للتعامل المشترك مع مياه النهر.

ويبقى خيار اللجوء للوساطة الأميركية في أزمة السد الإثيوبي حاضرا بقوة داخل أروقة النظام المصري رغم الرفض الإثيوبي المسبق لمقترحات مصرية سودانية باللجوء إلى الوساطة الدولية في ظل الاحتكام إلى وثيقة "إعلان المبادئ" التي وقعها قادة الدول الثلاث مارس/آذار 2015، والتي تمنح مادتها العاشرة حق الاعتراض على الوساطة الدولية ما لم يتوافق الجميع.

كما سبق لإثيوبيا أن رفضت التوقيع على وثيقة واشنطن التي رعتها الأخيرة بجانب البنك الدولي أواخر 2019، مما وضعها أمام عقوبات وتحذيرات من قبل الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب من تعرض السد للتدمير عبر مصر، لكنها تحذيرات لم تتخط حاجز الكلمات.

ريو غراند

النزاع في نهر "ريو غراند" بين الولايات المتحدة والمكسيك يعد أطول نزاع تاريخي على المياه بين دولتين، وجرى حله من خلال آلية توزيع حصص المياه في الفترات الطبيعية وفترات الجفاف.

وفي مسألة سد النهضة تتخوف مصر من أن تشهد الفترات المقبلة انخفاضا في منسوب مياه النيل، وهو ما يفسر طلب مصر المتكرر من إثيوبيا الالتزام بعدم تخزين المياه في حال حدوث انخفاض في تدفق مياه النيل الأزرق، وهو ما رفضته إثيوبيا مرارا.

الدانوب وأزمة المجر وسلوفاكيا

تشترك في نهر الدانوب 10 دول أوروبية هي ألمانيا والنمسا وسلوفاكيا والمجر وكرواتيا وصربيا وبلغاريا ورومانيا ومولدوفا وأوكرانيا.

وتنظم الهيئة الدولية لحماية نهر الدانوب عبر شبكة من الاتفاقيات عمليات الملاحة في النهر واستخدام المياه الاستهلاكي في 22 مدينة تطل عليه بين دول المنبع على جبال الألب ودول المصب في بحر قزوين.

ورغم هذا التوافق فإن أزمة نشبت بين المجر وسلوفاكيا بشأن إنشاء سدود على نهر الدانوب تصدت لها محكمة العدل الدولية في لاهاي في تسعينيات القرن الماضي، وهي أزمة لا تزال مستمرة حتى الآن.

وتتشابه أزمتا نهري النيل والدانوب في وجود اتفاقيات تاريخية بين الدول المشاطئة (وهي التي ترفضها إثيوبيا وتتمسك بها مصر)، وبناء على اتفاقيات موقعة بين المجر وسلوفاكيا صدر حكم "العدل الدولية".

غير أن الاختلاف الجوهري يتمثل في أن سبب قضية الدانوب لم يكن محاولة منع بناء سدود، بل كانت رغبة سلوفاكيا في أن تلتزم المجر بتعهداتها السابقة في اتفاقية وقعت عام 1977 بالمشاركة في إنشاء سلسلة سدود على نهر الدانوب بين الدولتين.

وسبق أن دعا مراقبون في مصر إلى طرح إمكانية اللجوء إلى المحكمة الدولية لحل أزمة السد الإثيوبي، حيث في قضية نهر الدانوب أكدت المحكمة وجوب الالتزام بالاتفاقيات دون الاعتبارات الأخرى.

ومن أبرز الاتفاقيات التي تستند إليها مصر في أزمة السد الإثيوبي اتفاقيتا 1902 و1959 اللتان أقرتا حصة مصر من المياه بألا تقل عن 55.5 مليار متر مكعب سنويا، وعدم قيام إثيوبيا بأي أعمال إنشائية دون الإخطار المسبق وموافقة مصر.

لكن ما قد يضعف موقف مصر في هذا الشأن هو أنها وقعت اتفاقية إعلان المبادئ في 2015 مع السودان وإثيوبيا والتي تضمنت اعترافا بحق إثيوبيا في بناء السد وتعاملت معه كأمر واقع.

  1. الاخبار
  2. اخبار سياسية